الفضاء .. المعركة الاقتصادية المقبلة
قد يبدو حلم الفنادق على القمر والرحلات التجارية إلى الفضاء أقرب إلى أفلام الخيال العلمي منه إلى خطط اقتصادية قابلة للتنفيذ. لكن ما كان خيالاً في فيلم “2001: أوديسا الفضاء“ قبل نحو ستة عقود، بدأ يتحول تدريجياً إلى سوق حقيقية تتنافس فيها الشركات الخاصة على إطلاق الصواريخ ونقل البشر والأقمار الصناعية إلى المدار.
ويطرح الاقتصادي والمؤلف راينر زيتلمان، في كتابه “الرأسمالية الفضائية الجديدة: الطريق الريادي إلى النجوم“، رؤية تقوم على أن مستقبل هذا القطاع لن تحدده الحكومات وحدها، بل قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والمخاطرة والابتكار، مع توسيع نطاق حقوق الملكية والأسواق الحرة إلى ما وراء الغلاف الجوي للأرض.

ويكتب زيتلمان أن “الرأسمالية الفضائية“ هي الطريق الذي يمكن للبشرية من خلاله استعمار المريخ أو تعدين الكويكبات، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن اقتصاد الفضاء بدأ بالفعل في النمو، رغم ما يصفه بالتحديات الناجمة عن التوسع الحكومي والقيود القانونية على استغلال الموارد خارج الأرض.
خيال “2001“ يقترب من الواقع
كان فيلم “2001: أوديسا الفضاء“، الذي عرض عام 1968، سابقاً لعصره في أكثر من جانب. ففي إحدى رحلاته إلى المشتري، يحصل رائدا الفضاء فرانك وديف على الأخبار عبر جهاز يشبه جهاز “آيباد“، قبل أكثر من أربعة عقود من ظهور الجهاز فعلياً في عام 2010. كما قدم الفيلم تصوراً مبكراً لمخاوف الذكاء الاصطناعي من خلال الحاسوب “HAL“ الذي يتمرد على طاقم المركبة.
وتنبأ الفيلم أيضاً بتوسع التجارة إلى الفضاء؛ إذ يسافر أحد الشخصيات إلى القمر على متن شركة “بان آم“، ويتوقف في فندق “هيلتون“ مداري يضم صالة تابعة لـ”هوارد جونسون”.
لكن هذه الرؤية لم تتحقق حتى الآن. فلا توجد رحلات تجارية منتظمة إلى القمر، ولا فنادق مدارية فاخرة بالمعنى الذي تخيله الفيلم، كما أن البشر لم يعودوا إلى سطح القمر منذ آخر بعثات برنامج “أبولو“ عام 1972.
ويرى زيتلمان أن السبب يرتبط جزئياً بطبيعة برنامج “أبولو“ نفسه، الذي كان مشروعاً وطنياً ضخماً خلال الحرب الباردة، ولم تكن التكلفة تمثل العائق الرئيسي أمامه. فقد استهلك البرنامج في ذروته نحو 4.5% من الموازنة الحكومية الأمريكية، في سباق شبه عسكري مع الاتحاد السوفييتي.
من “أبولو“ إلى المكوك
كان زيتلمان في الثانية عشرة من عمره عندما خطا نيل أرمسترونغ ومايكل كولينز وباز ألدرين على سطح القمر عام 1969. وكان شغوفاً بالفضاء منذ طفولته، حتى إنه نشر في ذلك اليوم صحيفة صغيرة وباعها لزملائه الألمان، متضمنة معلومات عن الفضاء والصواريخ.
لكن بعد انتهاء سباق الوصول إلى القمر، أصبح من الصعب تبرير استمرار الإنفاق الضخم من دون عوائد اقتصادية مباشرة. وكما قال فيرنر فون براون، أحد أبرز مهندسي برنامج الفضاء الأمريكي، كان على الولايات المتحدة أن تثبت أن رحلات الفضاء يمكن أن تكون مفيدة ومربحة لسكان الأرض، وأن تبدأ المشروعات الفضائية في تمويل نفسها.
جاء برنامج مكوك الفضاء عام 1981 في محاولة لخفض تكلفة الوصول إلى المدار من خلال إعادة استخدام المركبات. وعلى مدار 30 عاماً، قدم البرنامج إنجازات تقنية مهمة، من عمليات السير في الفضاء إلى الالتحام بمحطة الفضاء الدولية والعودة إلى الأرض.
لكن المكوك لم ينجح في حل مشكلة ارتفاع تكلفة الوصول إلى الفضاء، كما لم يجعل الرحلات الفضائية أكثر أماناً بصورة كافية. فقد أدت حادثتا انفجار أثناء الرحلات إلى مقتل 14 رائد فضاء، مقارنة بثلاثة قتلى في برنامج “أبولو“، ولم تقع الوفيات الثلاث أثناء رحلات فعلية.
وفي عام 2011، انتهى برنامج المكوك، واضطر رواد الفضاء الأمريكيون إلى الاعتماد على الصواريخ الروسية للوصول إلى محطة الفضاء الدولية.

دخول “سبيس إكس”
تغير المشهد في 30 مايو 2020، عندما نقلت شركة “سبيس إكس“ التابعة لإيلون ماسك رائدي فضاء من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا إلى محطة الفضاء الدولية. وكانت تلك أول مهمة مأهولة تنطلق من الأراضي الأمريكية منذ انتهاء برنامج المكوك، وأول رحلة من هذا النوع تنفذها شركة خاصة.
وبدلاً من الاكتفاء بالتعاقد مع الشركات الخاصة وتوجيهها، بدأت “ناسا“ بالسماح للشركات بالتنافس على نقل الحمولات إلى المدار. ومن بين هذه الشركات “سبيس إكس“ و“بلو أوريجن“ التابعة لجيف بيزوس، إلا أن “سبيس إكس“ أصبحت اللاعب الأبرز في عمليات الإطلاق.
ومن أصل 324 عملية إطلاق فضائي حول العالم خلال عام 2025، نفذت “سبيس إكس“ 165 عملية، مقابل 88 للصين و17 لروسيا.
ويشكل الاستخدام المتكرر للصواريخ أحد أهم عناصر نموذج أعمال “سبيس إكس“. وبإعادة استخدام مكونات الصاروخ مرتفعة التكلفة، تراجعت التكلفة التقديرية للإطلاق إلى نحو 15 مليوناً و22 مليون دولار، بحسب زيتلمان، مقارنة بنحو 1.5 مليار دولار لإطلاق مكوك الفضاء.
اقتصاد فضائي يتوسع
ساعد انخفاض تكلفة الإطلاق على بناء اقتصاد فضائي أكثر اتساعاً. ووفقاً لزيتلمان، كان القطاع يوظف نحو 400 ألف شخص حول العالم في 2022، فيما أصبحت تقنيات الفضاء جزءاً من الحياة اليومية، من أنظمة تحديد المواقع “GPS“ والتنبؤ بالطقس، إلى الخدمات اللوجستية لسلاسل الإمداد ومزامنة إشارات المرور.
ويرى المؤلف أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر طموحاً. فقد تصبح الكويكبات مصدراً لمعادن نادرة، ويمكن أن تنتقل مراكز البيانات إلى الفضاء، فيما قد تستخدم ألواح شمسية مدارية لإرسال الطاقة إلى الأرض. كما يمكن أن تتحول القمر والمريخ مستقبلاً إلى وجهتين للسفر والعمل والإقامة، وهي أهداف تعمل “سبيس إكس“ و“بلو أوريجن“ بالفعل على تطوير تقنيات لتحقيقها.
لكن هذه المشاريع تحتاج إلى استثمارات خاصة ضخمة، وهنا تظهر عقبات قانونية قديمة.

من يملك موارد الفضاء؟
تنص “معاهدة الفضاء الخارجي“ لعام 1967 على أن الفضاء والقمر والأجرام السماوية الأخرى لا تخضع للسيادة الوطنية أو التملك من خلال الاحتلال أو أي وسيلة أخرى. كما تذهب “اتفاقية القمر“ لعام 1979 إلى أبعد من ذلك، باعتبار استكشاف القمر واستخدامه نشاطاً لصالح البشرية جمعاء.
ويرى زيتلمان أن مثل هذه القواعد قد تعقد مساعي الشركات لتحقيق أرباح من الموارد الفضائية. وفي المقابل، شهدت الولايات المتحدة خطوات في الاتجاه الآخر؛ ففي 2015، أقر الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما قانوناً يسمح للمواطنين الأمريكيين بامتلاك ونقل وبيع الموارد الفضائية التي يتم الحصول عليها بصورة قانونية.
وفي 2020، أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يرفض اعتبار الفضاء “مشاعاً عالمياً“، فيما وقعت 70 دولة على “اتفاقيات أرتميس“، التي توفر إطاراً قانونياً للتعاون في استكشاف الموارد خارج الأرض واستخدامها.
ويعتبر منتقدون أن استغلال الفضاء قد يمثل شكلاً جديداً من الاستعمار، بينما ترى آراء أكاديمية أخرى أن التوسع البشري في الفضاء يعكس نزعة لاستغلال الطبيعة والموارد. ويرفض زيتلمان هذه الرؤية، معتبراً أن غياب سكان أصليين على القمر أو المريخ أو الكويكبات، بحسب ما هو معروف حالياً، يجعل المقارنة مع الاستعمار التاريخي مختلفة.
الصين تدخل السباق
لا تقتصر المنافسة على الشركات الأمريكية. فقد أصبحت الصين المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في استكشاف الفضاء؛ إذ أرسلت أول إنسان إلى المدار عام 2003، وأصبحت في 2019 أول دولة تهبط بمركبة على الجانب البعيد من القمر، كما بنت عام 2021 محطة فضائية خاصة بها لا تزال قيد التشغيل.
ويشير زيتلمان إلى أن النموذج الصيني يجمع بين سيطرة الدولة ودور الشركات الخاصة، معتبراً أن مستقبل المنافسة الفضائية قد يتحدد بقدرة الدول على منح القطاع الخاص مساحة أكبر للمبادرة وتحمل المخاطر.

قوانين الاقتصاد لا تختفي
يحمل كتاب زيتلمان رؤية متفائلة لمستقبل الفضاء، في وقت يهيمن فيه على النقاش العام كثير من المخاوف المرتبطة بالأزمات العالمية وإدمان وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
فقد تبدو السياحة القمرية، ومباريات كرة السلة في انعدام الجاذبية، وتعدين الكويكبات، ومراكز البيانات الفضائية، أفكاراً بعيدة اليوم، لكنها قد تصبح أجزاء من اقتصاد جديد إذا تراجعت تكلفة الوصول إلى الفضاء وتوافرت بيئة استثمارية وقانونية مناسبة.
وفي النهاية، يرى زيتلمان أن المعركة الحقيقية على مستقبل الفضاء لن تُحسم في المدار، بل على الأرض، عبر الصراع بين نماذج تعتمد على الحرية وحقوق الملكية والابتكار، وأخرى تمنح الدولة دوراً أكبر في إدارة الموارد والأنشطة الفضائية.
وربما تختصر عبارته الأخيرة جوهر هذه الرؤية: “قد تختفي الجاذبية في الفضاء، لكن القوانين الاقتصادية لا تختفي”.
المصدر: “ذا دايلي إيكونومي”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات