التخطي إلى المحتوى

أصيلة – حذر خبراء وسياسيون، خلال ندوة عقدت بمدينة أصيلة شمال المغرب، من أن وفرة الموارد الطبيعية في أفريقيا لا تكفي وحدها لتلبية احتياجات القارة من الطاقة والمياه، مؤكدين أن تحقيق ذلك يتطلب إصلاح الحوكمة، وتعزيز الاستقرار السياسي، وتسريع مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، إلى جانب إيجاد نماذج تمويل أكثر استقلالية وملاءمة للخصوصيات الأفريقية.

وناقشت الندوة، التي انعقدت يومي الجمعة والسبت تحت عنوان “مصالح الطاقة والمياه في أفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة”، التحديات التي تواجه القارة في استثمار مواردها وتحويلها إلى رافعة للتنمية والتكامل والنفوذ الجيوسياسي.

وتبرز المفارقة الأفريقية بوضوح في قطاع الطاقة، إذ لا يزال نحو 600 مليون شخص في القارة محرومين من الكهرباء، وفق أحدث تقديرات وكالة الطاقة الدولية، بينما تتطلب معالجة فجوة الوصول إلى الكهرباء استثمارات ضخمة وتوسيع شبكات النقل والحلول اللامركزية.

وقال رئيس الوزراء التشادي السابق موسى فكي إن أفريقيا تمتلك موارد هائلة من الطاقة والمياه، لكن هذه الإمكانات لا تزال مقيدة بالتشرذم وضعف التنسيق بين دولها، مشيدا بالمبادرة التي أطلقها العاهل المغربي الملك محمد السادس في 2023 لإتاحة وصول دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، معتبراً إياها مثالاً على أهمية المشاريع التي تربط الدول غير الساحلية بالممرات التجارية والبنى التحتية الإقليمية.

ورأى فكي أن البنية التحتية الاستراتيجية يمكن أن تؤدي وظيفة مزدوجة، عبر تسريع التكامل القاري من جهة، وفتح الطريق أمام التنمية من جهة أخرى، مشيرا إلى مشاريع الطاقة الكهرومائية، ومنها سد إنغا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وسد النهضة الإثيوبي، فضلاً عن تجربة منظمة تنمية حوض نهر السنغال التي تجمع غينيا والسنغال وموريتانيا ومالي.

لكن المشاريع العابرة للحدود قد تتحول إلى مصدر توتر إذا لم تُبنَ على التوافق والتنسيق بين الدول المعنية. واستحضر فكي أزمة سد النهضة، التي تحولت إلى نزاع طويل بين إثيوبيا ودولتي المصب مصر والسودان، للتأكيد على أن المشاريع الكبرى تحتاج إلى ترتيبات سياسية وقانونية تضمن مصالح الأطراف المختلفة.

وينطبق الأمر نفسه على المياه، في ظل مشاريع مقترحة لنقل المياه بين الأحواض لمواجهة الجفاف وتراجع الموارد. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة قارية تتعامل مع المياه والطاقة باعتبارهما قضيتين مترابطتين بالأمن الغذائي والاستقرار والتنمية، لا مجرد موارد وطنية منفصلة.

وأشار المتحدث إلى أن مشاريع مثل خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب يمكن أن تمنح القارة بعداً جيوسياسياً أكبر، إذا نجحت في ربط موارد الطاقة بالأسواق الأفريقية والدولية، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب، وفق المشاركين، معالجة معضلتين أساسيتين هما التمويل والاستقرار السياسي.

وقال دانييلي دي جيوفاني، الذي شغل منصب رئيس مكتب رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق رومانو برودي، إن الطاقة أصبحت قضية جيوسياسية بامتياز، بعدما أعادت الصراعات الدولية الأخيرة التأكيد على أهمية أمن الإمدادات، محذرا من أن المستثمرين يمكن أن يتحملوا المخاطر التجارية، لكنهم أكثر تحفظاً تجاه المخاطر الجيوسياسية وعدم الاستقرار الداخلي.

ودعا دي جيوفاني إلى تطوير مزيج طاقة متوازن لا يعتمد بصورة كاملة على مصدر واحد، مع الاستفادة من إمكانات الطاقة المتجددة، إلى جانب مصادر يمكنها تأمين الحمل الأساسي، مثل الغاز الطبيعي والطاقة النووية، بحسب خصوصية كل دولة.

من جانبه، ربط إدريس غيراوي، رئيس جامعة الداخلة المفتوحة، أزمات الطاقة والمياه والمناخ بإخفاقات هيكلية في الحوكمة، مشيراً إلى ثلاث مشكلات تتمثل في ضعف البناء التراكمي على الإنجازات السابقة، والفجوة بين التخطيط والتنفيذ، وعدم مواكبة السياسات للسرعة التي تتغير بها احتياجات المجتمعات.

واستشهد بمؤتمر المناخ ‘كوب 22’ الذي استضافته مراكش عام 2016، وما رافقه من مبادرات أفريقية في مجالات المناخ والتكيف والمياه، باعتباره نموذجاً على قدرة القارة على إنتاج مبادرات مشتركة عندما تتوافر الإرادة السياسية وآليات التنسيق.

وتقود هذه الطروحات إلى خلاصة تتجاوز أزمة الكهرباء والمياه ذاتها، فالتحدي الأفريقي لم يعد في اكتشاف الموارد بقدر ما يكمن في القدرة على إدارتها وتعبئة التمويل وتوزيع منافعها. وتنسجم هذه الحاجة مع أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي التي تضع التكامل والبنية التحتية والحوكمة وتمويل التنمية ضمن أهدافها الأساسية.

ودعا المشاركون إلى إعادة النظر في نماذج الشراكة الخارجية، مع تعزيز تعبئة المدخرات ورؤوس الأموال داخل القارة، وعدم الاكتفاء بالنماذج المستوردة في الحوكمة والتنمية، فامتلاك أفريقيا موارد الطاقة والمياه لا يعني تلقائياً امتلاكها القدرة على تحويلها إلى تنمية مستدامة، ما لم تواكبها مؤسسات مستقرة، ومشاريع قابلة للتنفيذ، وتعاون عابر للحدود، ورؤية تمويلية تضع الأولويات الأفريقية في صميمها.

التعليقات

اترك تعليقاً