التخطي إلى المحتوى

القاهرة – لم يعد التوتر بين إثيوبيا ومصر وإريتريا مجرد خلافات متبادلة أو اتهامات دبلوماسية، بل تحول إلى أزمة مفتوحة بعد قطع العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا وتبادل طرد دبلوماسيين بين الأخيرة والقاهرة.

وتكشف المواقف الرسمية للدول الثلاث عن ثلاثة مسارات رئيسية تقف خلف التصعيد. يتمثل أولها في اتهامات إثيوبية متكررة لإريتريا بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم قوى مسلحة معارضة للحكومة. والثاني في الموقف المصري الذي يرى أن أديس أبابا تستخدم اتهام أطراف خارجية وسيلة للتغطية على أزماتها الداخلية، بالتزامن مع تجدد المواجهات مع التحالف المسلح الذي ظهر أواخر سبتمبر/أيلول الماضي بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد.

أما المسار الثالث، فيرتبط بالمخاوف الإريترية من أن تكون التحركات الإثيوبية مقدمة لمواجهة عسكرية تستهدف انتزاع منفذ على البحر الأحمر عبر أحد الموانئ الإريترية، بعدما أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة عقب استقلال إريتريا عنها عام 1993.

ومنذ وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء عام 2018، تكرر الحديث في إثيوبيا عن ضرورة استعادة منفذ بحري، وهو ملف بات أحد أكثر مصادر التوتر حساسية في علاقات أديس أبابا مع جيرانها.

وتتباين تقديرات خبراء في شؤون إثيوبيا وإريتريا ومصر تحدثوا للأناضول بشأن دوافع التصعيد ومآلاته، لكنها تلتقي في التحذير من خطورة استمرار التوتر في منطقة تتقاطع فيها ملفات الحدود والأمن والمياه والموانئ والنفوذ الإقليمي.

وبينما يرى خبير مصري أن أديس أبابا تسعى إلى صرف الأنظار عن أزماتها الداخلية، وأن تصعيدها يمثل امتدادًا للتوتر مع إريتريا، يعتبر خبير إريتري أن التطورات الراهنة تمثل نتيجة متراكمة لسنوات من التوتر بين البلدان الثلاثة.

وفي المقابل، يرى باحث إثيوبي أن أديس أبابا لا تعاني ضعفًا داخليًا يدفعها إلى البحث عن “شماعة خارجية”، وأن اتهاماتها تستند إلى أدلة، معتبرًا أن التوتر الإقليمي بلغ “حافة الهاوية”.

ويتفق الخبراء الذين استطلعت الأناضول آراءهم على أهمية تدخل وسطاء، سواء الاتحاد الإفريقي أو الولايات المتحدة، لنزع فتيل الأزمة ومنع تحول التصعيد السياسي والدبلوماسي إلى مواجهة عسكرية جديدة بين إثيوبيا وإريتريا.

وتجمع مصر وإريتريا والصومال علاقات تنسيق خلال السنوات الأخيرة، أكدت خلالها الدول الثلاث رفضها أي ترتيبات تمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا على نحو يمس سيادة دول المنطقة.

وفي المقابل، تصاعد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا بصورة غير مسبوقة خلال نحو 3 سنوات، بالتزامن مع تكرار المطالب الإثيوبية بالحصول على منفذ بحري، في وقت ترفض فيه إريتريا أي مساس بسيادتها على موانئها.

أما العلاقات المصرية الإثيوبية، فتشهد خلافًا عميقًا منذ أكثر من عقد بسبب سد النهضة، وسط تمسك القاهرة بالتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن ملئه وتشغيله، ولا سيما خلال فترات الجفاف، بينما تؤكد أديس أبابا أن السد لم يلحق ضررًا بحصة مصر المائية البالغة نحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا.

ويأتي هذا التصعيد الدبلوماسي في وقت تشهد فيه إثيوبيا تجدد القتال في إقليم تيغراي منذ 23 سبتمبر/أيلول الماضي بين القوات الحكومية وفصائل معارضة مرتبطة بـ”جبهة تحرير شعب تيغراي”، بعد سنوات من الهدوء النسبي أعقبت اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022.

وبدأت أحدث حلقات التصعيد بقرارات دبلوماسية اتخذتها أديس أبابا، إذ أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية، الخميس، إغلاق سفارتها في أسمرة واعتبار 10 دبلوماسيين إريتريين في أديس أبابا “أشخاصًا غير مرغوب فيهم”، ردًا على ما وصفته بـ”أعمال عدائية وممارسات حربية مباشرة وغير مباشرة” من جانب إريتريا.

وردت أسمرة بإعلان قطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا، متهمة أديس أبابا بممارسة “أعمال عدائية غير مبررة”، ورفضت في الوقت نفسه الاتهامات الإثيوبية لها بالقيام بـ”أعمال عدائية وممارسات حربية مباشرة وغير مباشرة”.

وبعد وقت قصير، أعلنت الخارجية الإثيوبية دبلوماسيًا مصريًا “شخصًا غير مرغوب فيه”، وفق وكالة الأنباء الرسمية في البلاد.

ولم تقدم الخارجية الإثيوبية سببًا مباشرًا للقرار، غير أن أديس أبابا كانت قد ألمحت قبل نحو أسبوع إلى احتمال تدخل مصر في الصراع الدائر بين الحكومة الفيدرالية و”جبهة تحرير تيغراي”.

وفي أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي برهانو جولا “قوى أجنبية” بدعم جماعات مسلحة بهدف زعزعة استقرار بلاده، ملمحًا إلى تورط السودان ومصر وإريتريا. وردت الخارجية المصرية بعد أيام بنفي التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة.

وسبق ذلك تصعيد في ملف سد النهضة، إذ وصف وزير الري المصري هاني سويلم، في 20 سبتمبر/أيلول الماضي، السد بأنه “غير شرعي”، وقال إن بلاده “تمتلك الحق في الدفاع الشرعي عن أمنها المائي”.

وفي أول رد على القرار الإثيوبي، أعلنت مصر اعتبار مستشار السفارة الإثيوبية في القاهرة “شخصًا غير مرغوب فيه”، تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل.

ونقلت وكالة الأنباء المصرية الرسمية، الخميس، عن مصدر مسؤول قوله إن “الجانب الإثيوبي دأب على تعليق فشله في إدارة ملفاته وأزماته الداخلية المتلاحقة على شماعة ما يدعيه بوجود دور لأطراف خارجية للتغطية على أزماته المتتالية”.

وبشأن خلفيات الأزمة، قال نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية، السفير صلاح حليمة، إن الخطوات الإثيوبية “تعكس محاولات مكشوفة لتصدير الأزمات الداخلية الإثيوبية والتغطية على التراجع الميداني والعسكري الذي يواجهه النظام أمام القوى والتحالفات الإثنية المسلحة في الداخل”.

وأضاف حليمة، في حديث للأناضول، أن “التصريحات العدائية، لا سيما ضد إريتريا، تمثل سببًا آخر للتصعيد”.

كما لم يستبعد أن “تكون إسرائيل تقف وراء تحركات إثيوبيا الجديدة لتهديد منطقة القرن الإفريقي”، معتبرًا أن ذلك قد يندرج ضمن ما وصفه بـ”محاولات جر مصر إلى مسارات من الصراع العسكري للضغط عليها في ملفات إقليمية أخرى، مثل ملف غزة”.

من جانبه، قال الخبير الإريتري في شؤون القرن الإفريقي عبدالقادر محمد علي إن التصعيد الراهن “نتيجة طبيعية لاستمرار حالة التوتر المتراكمة منذ سنوات بين إثيوبيا ومصر وإريتريا بشأن عدد من الملفات”.

وأضاف أن التطورات تمثل “نذيرًا بدخول مرحلة خطيرة قد تمتد تداعياتها إلى المنطقة إذا لم يتم احتواؤها”.

وفي المقابل، قال الباحث الإثيوبي في الشؤون الإفريقية موسى شيخو إن منطقة القرن الإفريقي باتت تقف على “حافة الهاوية” جراء التطورات الدبلوماسية الأخيرة.

وعزا شيخو قرارات أديس أبابا إلى ما قال إنها “أدلة علنية ضد أسمرة بشأن التدخل في شؤون إثيوبيا، وأدلة أخرى قدمت دبلوماسيًا إلى القاهرة”.

واستبعد أن تكون إثيوبيا “تعلق أزماتها الداخلية على شماعة الأطراف الخارجية”، قائلًا إن “جبهة تحرير تيغراي تمر بحالة ضعف وانقسامات داخلية، وإن التناول الإعلامي المصري تحديدًا منحها حجمًا أكبر من واقعها الميداني”.

وفي ظل اتساع رقعة الخلاف، دخل الاتحاد الإفريقي على خط الأزمة، إذ دعت مفوضيته الدول الثلاث، في بيان الخميس، إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، مؤكدة استعدادها، بالتشاور مع الدول المعنية، لدعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الحوار والتوصل إلى تسوية سلمية للخلافات.

ويرى الخبير الإريتري عبدالقادر محمد علي أن غياب الوساطة قد يبقي خيار المواجهة العسكرية بين إريتريا وإثيوبيا قائمًا، بالتوازي مع استمرار التصعيد السياسي مع مصر.

وقال إن الولايات المتحدة قد تكون الطرف الأكثر قدرة على جمع الأطراف، معتبرًا أن الاتحاد الإفريقي يفتقر إلى النفوذ الكافي لتحقيق اختراق في الأزمة.

من جانبه، قال السفير صلاح حليمة إن التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا مرشح للاستمرار ما لم يتحرك وسيط، مثل الاتحاد الإفريقي أو دول معنية بشؤون المنطقة، مستبعدًا في الوقت نفسه حدوث صدام عسكري مباشر بين مصر وإثيوبيا.

أما الباحث الإثيوبي موسى شيخو، فقال إن شهودا عيان يتحدثون عن تحشيد عسكري على جانبي الحدود بين إريتريا وإثيوبيا، ما يجعل احتمال وقوع مواجهة مسلحة “غير مستبعد”، بينما قد يستمر التصعيد الدبلوماسي مع مصر وربما السودان.

وأضاف أنه رغم الأهمية التاريخية للإطار الإفريقي ودعوة الاتحاد الإفريقي الأخيرة إلى خفض التصعيد، فإن تدخلًا مباشرًا ومبادرة جادة من الولايات المتحدة قد يكونان الأكثر تأثيرًا في معالجة خلافات المنطقة، ولا سيما بين القاهرة وأديس أبابا.

التعليقات

اترك تعليقاً