التخطي إلى المحتوى

كان من الممكن أن تصبح عودة الحرب إلى إقليم تيغراي مؤخرا بداية لتهدئة مستمرة بين إثيوبيا ومصر، إذا نأت الأولى عن عادة تصدير الأزمات إلى أطراف خارجية، والتفتت إلى معالجة المشكلات الداخلية بأدوات سياسية.

لكن ما حدث خلال الأيام الماضية عزز المنهج الإثيوبي، حيث وجه رئيس الأركان اتهامات مباشرة إلى كل من السودان وإريتريا ومصر بشأن التدخل في حرب تيغراي، ثم أعلنت أديس أبابا طرد دبلوماسي مصري لديها، ردت عليه القاهرة بالمثل بعد ساعات قليلة.

لا تزال التباينات بين البلدين حول تشييد سد النهضة الإثيوبي في خلفية غالبية مشاهد الخلافات السياسية التي تنشب بينهما من وقت لآخر، ويتسبب كل تحرك تقوم به القاهرة لأجل تطوير علاقاتها مع دول في منطقة القرن الأفريقي في حدوث أزمة مع أديس أبابا. بات كل تصريح يصدر من الثانية يحمل انتقادا للأولى يثير تكهنات بصعوبة الوصول لتسوية فنية مشتركة تضع حدا للخلاف المزمن حول سد النهضة.

ظهر فصل جديد في خلافات إثيوبيا الخارجية مع عودة الحرب بين الحكومة المركزية في أديس أبابا وبين جبهة تحرير شعب تيغراي ومعها ستة قوى وفصائل وجماعات من أقاليم إثيوبية أخرى، فضلا عن تأييد من حكومة إريتريا، ما ينذر بأن الحرب يمكن أن تأخذ مسارا إقليميا خطيرا، إذا لم يتم تطويقها بحل سياسي ناجع، أو نصر عسكري حاسم وسريع لأحد طرفيها.

تختلف الحرب الحالية عن الحرب السابقة بين عامي 2020 و2022 في وجوه عدة، أبرزها: التحالف الجديد الواسع الداعم لتيغراي، وعدم قصر الحرب على هذا الإقليم وحده، ورفع سقف المطالب إلى مستوى إسقاط آبي أحمد نفسه، والاتهامات المتعددة الموجهة إلى جهات جارجية، في مقدمتها السودان ومصر وإريتريا، والتطورات الإقليمية المتلاحقة في إقليم أرض الصومال، وطموحات أديس أبابا في الوصول إلى البحر الأحمر، والتوترات في اليمن وتأثيرها على مضيق باب المندب.

علاوة على زيادة المشكلات التي تواجهها الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد، وعدم قدرته على علاجها أو تهدئتها، بل دخل في تراشقات مع دول مجاورة، ولم يفلح في إحتواء التوتر مع مصر بسبب سد النهضة، بل زاد مع عودة حرب تيغراي، وظهرت بوادر لحرب دبلوماسية، تجاوزت القاهرة، ووصلت إلى أسمرة، حيث قررت أديس أبابا طرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وغلق سفارتها في أسمرة، بجانب تبادل عملية طرد دبلوماسي مع مصر. ما ينذر بأن الحرب السياسية سوف تضاعف الخلافات.

يشير الوصول إلى هذا المنعطف إلى عدم استعداد إثيوبيا إلى تحييد الأطراف المتهمة من وجهة نظرها بالتدخل في حرب تيغراي، والإصرار على منحها بعدا خارجيا، مستفيدة من خلافات معلنة بينها وبين كل من أسمرة والخرطوم والقاهرة، انسجاما مع أسلوب الحكومة الإثيوبية في تصدير الأزمات إلى بعض الجهات، خاصة تلك التي تتباين معها في أزمات معلنة، ودخلت معها في خلافات غير خافية على كثيرين، من دون تقديم أدلة قاطعة، لا سيما في حالة مصر، التي تستند فيها إلى تصريحات لبعض وسائل الإعلام أو مسؤولين ينتقدون التصرفات الإثيوبية في ملف سد النهضة.

يجب التفرقة بين خلافات أديس أبابا مع كل من القاهرة وأسمرة والخرطوم. الثانية والثالثة ذات طابع عسكري بسبب الجغرافيا، بينما الأولى لا توجد معها حدود مشتركة تفضي إلى وجود خطوط تماس تتسبب في تهديدات مباشرة.

لكن إثيوبيا تستغل اتفاقيات أمنية عقدتها مصر مع دول مجاورة لها، مثل الصومال، لتعزيز سرديتها. على العكس من إريتريا والسودان، حيث لهما حدود طويلة مع إثيوبيا، ومن الطبيعي أن تؤدي إلى أزمات أمنية، في ظل التشابكات الاجتماعية، والقبائل العابرة للحدود.

المشكلة أن ملامح الحرب السياسية بين إثيوبيا ومصر، قد تتجاوز عملية طرد دبلوماسي من هنا وهناك، وتكون مقدمة لتوسيع نطاقها، لأن القاعدة التي تستند عليها أديس أبابا، وتتعلق بتصدير الأزمات الداخلية، لا تزال معمول بها، ولم تفطن حكومتها للقيام باستدارة من أجل تسوية نهائية للأزمة في إقليم تيغراي أو ممارسة نوع من ضبط النفس نحو القاهرة، والتخلي عن تحميلها كل شاردة وواردة سلبية في إثيوبيا.

هذا المسألة تدين الحكومة نفسها، وتظهرها كحكومة رخوة أو ضعيفة، ولا تملك سلطة قوية لمنع الاختراقات الخارجية وتهديد الُلحمة الوطنية وزيادة هشاشتها. كما تمنح مصر دورا لم تمارسه ولا ترغب فيه، وهو التدخل في شؤون الدول الأخرى، في حين أن خطابها المعلن يركز دوما على ضرورة الحفاظ على أمن واستقرار الدول الأفريقية، وفي حالة إثيوبيا سوف يكون الأمر أشد خطورة بسبب السيولة الأمنية في المنطقة المجاورة لها، والتعقيدات الاجتماعية التي تخيّم على غالبيتها.

يمكن أن تتخذ الحرب الدبلوماسية بين إثيوبيا ومصر اتجاها تصاعديا مع دخول الاتحاد الأفريقي، ومقره في أديس أبابا، على خط الأزمة الجديدة، حيث ناشد بضبط النفس، وبدا كأنه يتعامل مع الاتهامات التي وجهتها أديس أبابا إلى كل من القاهرة واسمرة والخرطوم، على أنها حقائق ثابتة، ما يمثل إنحيازا لطرف، ويقلل من فرص التعويل على أي تدخل سياسي من جانب الاتحاد الأفريقي لاحقا، ويفتح المجال إلى نقل المعركة الدبلوماسية لجهات أخرى، تحديدا مجلس الأمن الدولي، والاحتكام إلى قواعده التي تمنع التدخل في شؤون الدول الأخرى، وترفض إلقاء الاتهامات جزافا.

يقود الوصول إلى هذه النقطة إلى ارتباكات أكثر في المشهد العام بمنطقة القرن الأفريقي، ويخرج حرب تيغراي من نطاقها المحلي والإقليمي إلى الفضاء الدولي، بما لا يخدم مصالح إثيوبيا التي تشعر أنها على وشك حرب ممتدة، تشارك فيها جبهات داخلية عدة، ما يعني تحميل الحكومة المركزية مسؤولية كبيرة.

تحتاج هذه الدائرة الجهنمية إلى جهود جبارة لتفكيك معالمها الداخلية وحل ألغازها المعقدة، وتجاوز أية ارتباطات خارجية لها، ما يضع على عاتق الحكومة الفيدرالية حملا ثقيلا، لن يفلح معه منهج تصدير الأزمات أو توجيه الاتهامات لدول معينة. يمكن أن يصلح في هذه الحالة أسلوب البحث عن معالجة سياسية عادلة، تنطلق من إيجاد تسوية لمشكلات تؤدي باستمرار إلى اندلاع أزمات، تكون مقدمات لحروب.       

التعليقات

اترك تعليقاً