واشنطن – في ظل الحرب الأميركية على إيران واضطراب إمدادات الطاقة العالمية، تواجه أوروبا ضغوطا متزايدة على منظومتها للطاقة، مع تراجع مستويات المخزونات وارتفاع أسعار الوقود، بالتزامن مع اعتماد القارة بصورة كبيرة على الواردات الخارجية لتلبية احتياجاتها من النفط والغاز والمنتجات المكررة.
وتكشف تداعيات الحرب في الشرق الأوسط محدودية هامش التحرك أمام الاقتصادات الأوروبية في مواجهة صدمات الطاقة، إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي على صافي الواردات لتغطية نحو 57 بالمئة من احتياجاته من الطاقة، وفقا لبيانات يوروستات لعام 2024.
وزادت المخاوف مع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض حظر أو قيود على صادرات الديزل الأميركية إذا لم تسحب الدول الأوروبية مزيدا من الوقود من احتياطياتها الاستراتيجية، في خطوة من شأنها أن تضيف ضغوطا جديدة على سوق أوروبية تعاني أصلا من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وسلط التهديد الأميركي الضوء مجددا على هشاشة أمن الطاقة الأوروبي، في وقت ارتفع فيه متوسط سعر الديزل في دول الاتحاد الأوروبي إلى مستوى قياسي بلغ 2.24 يورو للتر، وفقا لأحدث بيانات المفوضية الأوروبية.
وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، اليوم الجمعة، إن الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لا يزال خيارا مطروحا لاحتواء ارتفاع الأسعار وتخفيف ضغوط الإمدادات.
وأضاف، في مقابلة مع “يورونيوز” غداة التهديد الأميركي، أن التكتل يناقش مع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية التوقيت المناسب للسحب من المخزونات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توفير كميات إضافية من الديزل في الأسواق.
وكان ترامب قال إن فرض قيود على صادرات الديزل الأميركية لا يزال خيارا قيد البحث، في إطار مساعي إدارته لخفض أسعار الوقود في السوق المحلية، التي تأثرت باضطرابات الإمدادات العالمية والحرب في الشرق الأوسط.
ويأتي الضغط الأميركي فيما تشهد أسواق الطاقة اضطرابات حادة نتيجة الحرب على إيران وتعطل حركة الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وهما من أهم الممرات العالمية لنقل النفط والغاز والمنتجات المكررة.
وسجل متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة 6.41 دولارات للغالون في 30 سبتمبر/أيلول، بعد أن بلغ مستوى قياسيا عند 6.53 دولارات في الـ22 من الشهر الماضي، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية.
ولا تبدو أوروبا بمنأى عن أزمة الأسعار، إذ قفز متوسط سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي إلى 2.24 يورو للتر، بزيادة قدرها سنت واحد خلال أسبوع، فيما سجلت 12 دولة أعضاء مستويات قياسية جديدة للأسعار.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد الأوروبي على الديزل في قطاعات النقل والشحن والزراعة والصناعة، ما يجعل استمرار ارتفاع أسعاره عاملا ضاغطا على تكاليف الإنتاج والنقل والأسعار الاستهلاكية.
وتزداد حساسية السوق الأوروبية مع اعتمادها المتنامي على الواردات الأميركية من الديزل، بعدما تراجعت إمدادات مصادر أخرى، ولا سيما من الشرق الأوسط، في أعقاب الحرب واضطراب حركة الملاحة.
وبحسب بيانات سوقية، قدمت الولايات المتحدة نحو 180 ألف برميل يوميا من واردات الديزل الأوروبية القادمة من خارج الاتحاد هذا العام، أي نحو 32 بالمئة، مقارنة بنحو 17 بالمئة خلال عام 2025، ما يجعل أي قيود أميركية محتملة على الصادرات مصدرا إضافيا للضغط على السوق.
وتبرز بريطانيا بين الاقتصادات الأكثر تعرضا لهذا الضغط، في ظل اعتمادها على الواردات لتغطية جزء كبير من احتياجاتها من الديزل، مع مساهمة الولايات المتحدة بحصة مهمة من تلك الواردات.
وتعكس مستويات المخزونات حجم التحدي الذي تواجهه أوروبا، إذ توفر احتياطيات الوقود هوامش محدودة للتعامل مع اضطراب طويل الأمد في الإمدادات.
وتظهر البيانات المتداولة في السوق أن مخزونات البنزين تكفي لنحو 66 يوما، مقابل نحو 90 يوما للديزل، فيما تبلغ احتياطيات وقود الطائرات نحو شهرين.
وتتفاوت مستويات المخزون بين دول الاتحاد، ما يجعل بعض الاقتصادات أكثر تعرضا من غيرها لأي انقطاع مفاجئ في الإمدادات أو ارتفاع إضافي في أسعار المنتجات المكررة.
وفي حال فرضت واشنطن قيودا على صادرات الديزل، ستضطر أوروبا إلى البحث عن شحنات بديلة في سوق عالمية تعاني أصلا من ضيق المعروض، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع حتى في حال استخدام جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية.
ولا تقتصر أزمة الطاقة الأوروبية على الوقود السائل، بل تمتد إلى الغاز الطبيعي، إذ بلغت مستويات التخزين في دول الاتحاد نحو 71.5 بالمئة في نهاية سبتمبر/أيلول، وهي نسبة تقل بوضوح عن المستويات المعتادة لهذا الوقت من العام.
وتزيد هذه الفجوة من أهمية واردات الغاز الطبيعي المسال، خصوصا من الولايات المتحدة، في وقت تراجعت فيه إمدادات بعض المنتجين في الشرق الأوسط بسبب الحرب واضطراب الملاحة في المنطقة.
كما أن تراجع إمدادات الغاز الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 دفع أوروبا إلى إعادة تشكيل خريطة وارداتها من الطاقة، وزاد اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال والأسواق الفورية، الأمر الذي يجعل الأسعار الأوروبية أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية.
ويحذر استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة من انعكاسات مباشرة على القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، خصوصا أن ارتفاع أسعار النفط والغاز لا ينعكس فقط على فواتير الأسر، وإنما يمتد إلى النقل والصناعة والزراعة والخدمات.
وفي 2025، بلغ حجم واردات الاتحاد الأوروبي من الطاقة نحو 723 مليون طن، بقيمة تقارب 336.7 مليار يورو، ما يعكس ضخامة فاتورة اعتماد الاقتصاد الأوروبي على الخارج.
وقال مفوض الطاقة الأوروبي دان يورجنسن إن ارتفاع أسعار الطاقة سيكلف الاتحاد نحو 100 مليار يورو إضافية خلال عام 2026، رغم عدم زيادة كميات النفط والغاز المستوردة، مشيرا إلى أن الزيادة في الكلفة تعود بصورة أساسية إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية.
وتضع هذه التطورات أوروبا أمام معادلة صعبة: فهي تحتاج إلى استخدام مخزوناتها لتخفيف صدمة الأسعار، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على احتياطيات كافية لمواجهة الشتاء وأي اضطرابات جديدة في الإمدادات.
ويعيد التهديد الأميركي بتقييد صادرات الديزل إبراز هذه المعضلة، إذ إن أي نقص في الإمدادات الخارجية قد يرفع تكلفة الوقود في القارة، بينما يؤدي استنزاف الاحتياطيات إلى تقليص هامش الأمان أمام صدمات جديدة.
ويؤكد ذلك أن أزمة الطاقة الأوروبية لم تعد مرتبطة بمصدر واحد، بل باتت نتيجة تداخل الحرب في الشرق الأوسط واضطراب طرق التجارة وارتفاع أسعار الوقود وتراجع المخزونات، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تقليص اعتمادها طويل الأمد على مصادر الطاقة الخارجية وتعزيز الإنتاج المحلي، خصوصا من الطاقة المتجددة.

التعليقات