عادةً في الأدبيات السياسية، تبرهن التغيرات والتحولات الجديدة والمعاصرة أن الدول العظمى لا تترك فضاءات مصالحها الحيوية تحت مسمى الانسحاب العسكري المرادف للتراجع الجيوسياسي، بل تعيد صناعة وصياغة ورسم ملامح تموضعها وحدود حضورها الاستراتيجي بشكل مدروس وفقا لنفوذها وعقيدتها الأمنية المستحدثة في المشهد الحديث لتلائم التحولات الجذرية في موازين القوى، عبر انخفاض الانكشاف الأمني وتقليل الشراكات. اليوم، في العراق وإقليم كردستان، لا يمكن قراءة تفكيك الطابع العسكري المباشر لعمليات التحالف الدولي وتغيير نمط الحضور الأميركي بوصفه انكفاءً عن هذه البلاد، ولا ينبغي تأطيره بحتمية الانتشار القتالي أو القطيعة الميدانية، بل يجسد تحولا محوريا وانزياحا مفصليا في عقيدة واشنطن الاستراتيجية(الأمن القومي الأميركي) نحو السيطرة المأسسية والهندسة الإقليمية الشبكية؛ حيث إدارة النفوذ والمصالح بمنطق الاحتواء الاستراتيجي، عبر قنوات استخباراتية وأمنية متعددة المستويات، ومسارات نفوذ مرنة تتيح إعادة ضبط موازين القوى من دون تحويل التباينات إلى صدام مفتوح.
العقيدة التنافسية بين القوى العظمى
اليوم، تتحرك السياسية الأميركية في الشرق الأوسط وفق محدد استراتيجي صارم متجاوزة منطق العسكرة، نحو نموذج إدارة النفوذ والتنافس بين القوى العظمى وتحديدا مع الانتقال التدريجي للرعاية الاستراتيجية الأميركية للصين وروسيا؛ إذ باتت هذه المنطقة عقدة جيوسياسية تتشابك فيها متطلبات مع خرائط الطاقة وشبكات الممرات الحيوية. في العراق، تبرز مسألة الانسحاب الأميركي أو إعادة هيكلة تواجده، كحضور أشد مرونة من ذي قبل متمثلا بالقدرات الاستخباراتية، والقواعد الاستراتيجية، والتحالفات الأمنية، حيث التدخل وترجمة عملية لاستراتيجية إدارة مواردها دون التكاليف الباهظة للانكشاف العسكري المباشر على المدى الطويل التي شكلت، سابقا، استجابة غير متوازنة لتوظيف الأصول الدفاعية وتوجيه القدرات المعلوماتية واللوجستية.
في ذات الإطار، وفي خضم التنافسات الدولية يعيد العراق تعريف موقعه بأن يتحول إلى عنصر جذب للقوى الدولية العظمى استنادا إلى الموقع الجغرافي، والثروات، وتحالفاته مع عُقد الطاقة وممرات الحركة الإقليمية. ومن هنا، فإن مستقبل الوجود الأميركي مرتبط بصورة مباشرة بقدرة بغداد على ضبط واحتواء تضارب المصالح الدولية وتنظيم علاقاتها بها، لمواجهة الفراغ الأميركي الذي قد تستغله بعض الأطراف الدولية المنافسة، وتحويل الأراضي العراقية وممراتها النشطة الحيوية وسلاسل الإمداد إلى ساحة صراع وحروب.
كردستان والأردن كعقدتي ارتكاز إقليمي
هل بالإمكان، الآن، قراءة التغيرات الأمنية البنيوية والمتسارعة في المنطقة بمعزل عن تعديل هندسة التفاعل الميداني على خطوط التماس الإقليمي بين طهران وواشنطن؟ فقد كشفت جولات التصعيد المتتالية أن المنشآت العسكرية في وسط العراق وجنوبه أصبحت جزءً من الأهداف المكشوفة لمعادلة ضغط أوسع ذات نقاط ضعف استراتيجية تُستَغل في الصراع السياسي- الأمني واستنزاف قدرات بنتاغون الحركية، فضلا عن التهديدات التي تتعرض لها الحكومة الاتحادية في بغداد التي تضعها في موقف سيادي حرج بصورة دائمة.
ولتجاوز هذه الإشكالية الميدانية، تعيد واشنطن تصورها نحو إعادة تموضعها عسكريا عوضا عن الاكتفاء بتقليصها عبر نقل ثقل القيادة وإدارة عملياتها إلى مراكز إقليمية أوسع استجابة وأمانا:
جنوب كردستان: لإقليم كردستان العراق أهمية استراتيجية ودور محوري بارز كنقطة مفصلية لإدارة العمليات والمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية اعتمادا على قدراته التشغيلية في دعم التنسيق الأمني والاستقرار أثناء التحليل والمتابعة على الأشرطة الحدودية، فضلا عن حفاظه على مسارات المخاطر والتهديدات المرتبطة بمناطق شمال شرق سوريا ضمن الملف السوري الذي يعتبر نقطة ارتكاز حيوية للتنسيق اللوجستي.
الأردن: تعتبر عمان كمركز عمق استراتيجي ولوجستي متقدم لتأمين الدعم الاستخباراتي والعملياتي والأمني مع الحفاظ على مسافة أمان شأنها التخفيف من الانخراط المباشر في البيئات السياسية والميدانية الأشد اضطراباً.
قلق الاستقرار الكردي
توازيا مع هذا التوزيع الشبكي، باتت هناك بلورة جديدة لمعادلة النفوذ في جنوب كردستان؛ في ظل التنافس المحتدم بين أربيل وبغداد فيما يتعلق بالموارد النفطية والدستور، هناك يثار قلق لدى القيادة السياسية في إقليم كردستان العراق خشية من انزياح التوازن السياسي بين الطرفين؛ إذ ينبع هذا التوجس من تحول العلاقة بين واشنطن وبغداد نحو نموذج أكثر مركزية وحصر الترتيبات الأمنية والتسليحية من خلال الأطر الرسمية لحكومة بغداد، ما يدفع أربيل لإعادة حساباتها في ظل غياب الغطاء العسكري الدولي ومعادلة التوازنات العراقية الجديدة.
مخاطر عودة داعش والجاهزية
رغم انحسار قدرات تنظيم داعش الهيكلية ميدانيا إلى بنية تنظيمية لامركزية ومجزأة، إلا أن التهديدات المرافقة للفراغات الأمنية قائمة من كل حدب وصوب، وتظل هاجسا حقيقيا يهدد مشهد الأمن والاستقرار. اليوم، صارت المؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية الاتحادية أمام اختبار فعلي لتفادي الخروقات الأمنية، لذا عليها الارتكاز من جديد على الأولويات التالية:
تعزيز شبكات ومنظومات استخباراتية متطورة لرصد مصادر ضخ الأموال والترابط السري، وتحصين تماسك المؤسسات الأمنية ورفع كفاءتها في مواجهة الاختراقات والتجاذبات السياسية، وتأمين الحدود الجغرافية ومواجهة الثغرات والاستجابة لأي تهديد، وصون قنوات الشراكة الأمنية والمعلوماتية والتقنية مع الشركاء الدوليين.
استدامة الجيو- اقتصاد
في الأدبيات الاقتصادية اليوم، لواشنطن منظومة مصالح ونفوذ هيكلية تضمن حماية مكاسبها الاستراتيجية وعقودها الاستثمارية عبر مأسسة الاستثمارات والعقود وحمايتها؛ حيث البنية التحتية، الطاقة، والتكنولوجيا بأطر قانونية ومؤسسية طويلة الأمد دوليا، وتعزيز الرقابة الاقتصادية وضبط التدفقات المالية بإشراف الفيدرالي الأميركي والحوكمة المالية الدولية، بالإضافة إلى اندماج العراق في الاقتصاد العالمي يشكل سدا لأي اختلال أو مخاطر.
آفاق المستقبل
إن التحولات الراهنة في المشهد العراقي لا تعد خروجا عسكريا مباشرا ولَّدت فجوة أمنية وسياسية فحسب، بل يعكس انتقالا نوعيا نحو مأسسة غير مباشرة من الشراكات الاستراتيجية عبر أدوات غير مباشرة؛ حيث الإدارة والحماية ماليا، تقنيا، وإقليميا، فيما يظل الرهان متوقفا على قدرة بغداد في تأمين جبهتها الداخلية الأمنية، وكبح الإرهاب، وتجنب الاستقطاب الإقليمي.

التعليقات