السيولة: نعمة أو نقمة
تعني السيولة في الأسواق المالية عمومًا سهولة التداول، إذ تسمح للمتداولين بشراء أو بيع الأصول بسرعة دون التأثير على الأسعار، ويُنظر عادةً إلى توافرها على أنه عامل إيجابي، حيث تخفّض تكاليف المعاملات، وترفع قيمة الأصول، وتُسهّل التواصل بين المدخرين والمقترضين.

قبل نحو 19 عامًا من الآن، قال الرجل الذي يوشك أن يصبح أهم صانع سياسات نقدية في العالم، “كيفن وارش”، المرشح لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي: “تتوفر السيولة عندما يثق المستثمرون بقدرتهم على إتمام المعاملات، وعندما تكون المخاطر قابلة للقياس، وعلاوات المخاطر منخفضة”.
وبالفعل، تعتمد الأسواق الفعّالة على وفرة السيولة لتحقيق الاستقرار والنمو، إلا أن لهذه الحكمة الشائعة وجهًا آخر: فعندما تغمر السيولة الأسواق دون أن تكون مرتبطة بالأسس الاقتصادية، قد تؤدي إلى تضخم أسعار الأصول بشكل غير منطقي.
أو كما حذر “وارش” عندما كان لا يزال عضوًا بمجلس المحافظين عام 2007: “إذا كانت ثقة السوق منفصلة عن الأسس الاقتصادية، فقد يؤدي ذلك إلى تقويض انضباط السوق، وقد تتراجع السيولة بشكل غير متوقع”.
بينما تُغذي السيولة ديناميكية السوق، فإن فائض السيولة (أو السيولة المفرطة) قد يُخفي فقاعات اقتصادية وتُسبب ثغرات هيكلية، وينتج عنها أصول مبالغ في تقييمها وأسواق غير مستقرة.
من أين يأتي الفائض؟
– يمكن أن تغمر السيولة الأسواق عبر قنوات متعددة، وأهمها السياسة النقدية التيسيرية للغاية، التي تنطوي على انتهاج البنوك المركزية حول العالم سياسة أسعار فائدة منخفضة للغاية وعمليات شراء ضخمة للأصول.
– على سبيل المثال، خلال أزمة “كوفيد-19″، خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى قرابة الصفر، ووسع ميزانيته العمومية بأكثر من 4 تريليونات دولار من خلال شراء سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري.
– أدت هذه الإجراءات إلى انخفاض تكاليف الاقتراض وضخ احتياطيات ضخمة في النظام المصرفي، وكما كانت سببًا في دعم الانتعاش الاقتصادي، فإنها أثرت بشكل كبير على أسعار الأصول، بما في ذلك الأسهم، حيث تحول المستثمرون نحو الأصول الخطرة، ومضت العديد من البنوك المركزية الأخرى على خطى الفيدرالي.

– السياسات المالية للحكومات يمكن أيضًا أن تسهم في تعظيم السيولة، فخلال أزمة الجائحة أقرت الحكومة الأمريكية حزم تحفيزية بمليارات الدولارات وأرسلت شيكات للأسر وعززت الإنفاق على مشاريع البنية التحتية.
– تربط تحليلات اقتصادية بين الحزم المالية في عام 2020 والارتفاع التراكمي في الأسهم الأمريكية بنحو 40% خلال الأشهر اللاحقة، وبالتالي، أدى الإنفاق الحكومي المكثف، الذي غالبًا ما يُموّل بالديون، إلى زيادة السيولة في الأسواق، مما زاد من تضخم الأصول.
– أيضًا، أضافت الزيادة الكبيرة في نشاط المستثمرين الأفراد في السنوات الأخيرة طبقة أخرى من السيولة، وتُظهر البيانات ارتفاعًا حادًا في أحجام التداول، إذ قفزت التدفقات من مستثمري التجزئة إلى أسواق الأسهم الأمريكية بنحو 50% من عام 2023 إلى أوائل عام 2025.
كيف تؤثر على الأصول؟
– يوضح تحليل لصندوق النقد الدولي أنه عندما تنخفض العوائد من الأصول الآمنة، يقوم الأفراد والمؤسسات بتحويل الأموال من حسابات التوفير إلى أسواق الأسهم، أو يسعون وراء السندات ذات العائد الأعلى.
– كما تتوسع البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية في الائتمان لتمويل الاستثمارات، وتؤدي هذه الزيادة في الطلب إلى رفع أسعار الأصول.
– في أسواق السندات، يتراجع الفرق بين عوائد السندات الآمنة والخطرة مع سعي المستثمرين لتحقيق عوائد ولو ضئيلة؛ وفي أسواق الأسهم، تتسع مضاعفات السعر إلى الأرباح مع قبول المستثمرين لعلاوات مخاطر أقل.
– في الواقع، يؤدي انضغاط منحنى العائد (انكماش الفجوة بين عائد السندات قصيرة وطويلة الأجل) الناتج عن السياسة النقدية المتساهلة إلى جعل الأسهم والعقارات وسندات الشركات، وحتى الأصول المضاربة، أكثر جاذبية، مما يضخم قيمها بما يتجاوز ما قد تبرره العوامل الأساسية.

– هذا يعني انفصال الأصول عن أساسياتها، ومع وفرة السيولة والتفاؤل، قد يفترض المستثمرون أن الأسعار سترتفع لا محالة، وبقول آخر: تؤدي السيولة الزائدة إلى تضخم الأسعار أولًا، ولا تلحق بها العوامل الأساسية إلا لاحقًا (إن حدث ذلك بالأساس).
– على الهامش: يشير باحثو بنك التسويات الدولية إلى أن الأسهم الأمريكية والذهب أظهرا في عام 2025 “سلوكًا متفجرًا” في الاختبارات الإحصائية، وهي سمة مميزة لظروف الفقاعات الاقتصادية.
ماذا يترتب على هذا الخلل؟
– تُضخّم سيكولوجية المستثمرين تحركات الأسعار المدفوعة بالسيولة من خلال ديناميكيات القطيع والمضاربة، فمع مشاعر مثل الخوف من تفويت الفرصة (FOMO) في الأسواق الصاعدة، تُصبح الأسعار المرتفعة بحد ذاتها عامل جذب.
– يُشير تحليل بنك التسويات الدولية إلى أنه خلال فترات الازدهار، تجذب التغطية الإعلامية والضجة على وسائل التواصل الاجتماعي مشترين جددًا ممن يتجنبون عادةً الأصول الخطرة، وغالبًا ما يُبرر هؤلاء المشترون استمرار ارتفاع الأسعار لسبب وجيه، مما يُعزز الاتجاه.
– كان تأثير “الخوف من تفويت الفرصة” واضحًا في موجة صعود الأسهم الأمريكية بين عامي 2020 و2021 عندما أظهرت استطلاعات الرأي ارتفاع معنويات المستثمرين الأفراد بشكل حاد، وزادت عمليات البحث عبر “جوجل” عن تداول الأسهم.
– عندما يتصرف عدد كافٍ من المستثمرين بشكل مماثل، حتى محفز بسيط كفيل بقلب السوق رأسًا على عقب، مثلما حدث خلال “طفرة أسهم الميم” على الرغم من ضعف أساسيات تلك الشركات.
– كما تضخم استراتيجيات التداول المضاربة (مثل الرهانات ذات الرافعة المالية والمشتقات) من حدة التقلبات، وبالمثل، في أسواق العملات المشفرة، خلقت الروايات وتأييد المشاهير موجات من المضاربة المحمومة التي فصلت الأسعار عن قيمتها الجوهرية.

النهاية الحتمية: فقاعة
– عندما تتسارع اتجاهات الأسعار، قد يختار المستثمرون، سواء كانوا متمرسين أو ساذجين، الاستمرار في الاستثمار بدلًا من الخروج مبكرًا، مما يزيد من تضخم الفقاعة.
– تخلق هذه العوامل السلوكية مجتمعة حلقات تغذية عكسية، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار إلى جذب المزيد من المستثمرين، مما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، وهكذا، وبالتالي تتضخم الفقاعات حتى ينضب المعروض النقدي أو تحدث صدمة خارجية تُغير من توجهات السوق.
– عندما تتغير الظروف، لا سيما من خلال فرض سياسات نقدية أكثر تشددًا أو بسبب صدمات، تميل الفقاعات التي تغذيها السيولة إلى الانهيار بشكل حاد، فمثلًا عندما أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى إنهاء برنامج التيسير الكمي الطارئ في أواخر عام 2021، تراجعت الأسهم الأمريكية بشكل مفاجئ.
– بعدما رفع الفيدرالي الفائدة بنسبة 0.5% في الرابع من مايو عام 2022، اندلعت موجة بيع واسعة النطاق في السوق وخلال الأيام القليلة التالية، انخفض سعر البيتكوين بنحو 27% وهبط مؤشر “ناسداك” بأكثر من 10%.
– الصدمات الخارجية قد تشعل الاضطرابات أيضًا، مثلما حدث في مارس 2020 عندما تفشت الجائحة حيث شهدت وول ستريت أحد أسرع الانهيارات على الإطلاق، على الرغم من الارتفاع الطويل الذي سبقه، إذ هوت الأسهم بنحو 34% في غضون أسابيع قليلة ولم تتعافَ إلا بعد تدخلات واسعة النطاق.
أكثر من مجرد فقاعة
– يُؤدي فائض السيولة إلى عواقب وخيمة تتجاوز مجرد انفجار الفقاعة، فمع توافر الأموال الرخيصة بكثرة، قد تتدفق إلى مشاريع ذات قيمة منخفضة أو تلك التي لا يحتاجها السوق، وتتحول الموارد نحو القطاعات “الرائجة” (مثل التكنولوجيا عام 2000، والإسكان عام 2007، والعملات المشفرة عام 2021) بغض النظر عن إنتاجيتها.
– في الوقت نفسه، قد تُعاني قطاعات أخرى من الاقتصاد من نقص الاستثمار، ويُؤدي سوء التخصيص هذا إلى انخفاض النمو على المدى الطويل، وقد وجد باحثو بنك التسويات الدولية أن الشركات المتعثرة انتشرت مع استمرار انخفاض تكلفة الائتمان.

– بحلول عام 2016، كانت نسبة الشركات “المتعثرة” في الاقتصادات المتقدمة 12% تقريبًا مقارنة بـ 2% في أواخر الثمانينيات. تُجمّد هذه الشركات الضعيفة رأس المال والعمالة التي يُمكن استخدامها بشكل أكثر إنتاجية، مما يُؤثر سلبًا على الإنتاجية الإجمالية.
– باختصار، يؤدي فائض السيولة إلى تشويش إشارات التسعير؛ فالشركات التي كانت ستفشل في ظل ندرة الائتمان تنجو بفضل القروض الجديدة، وتتدفق الاستثمارات إلى حيثما تعد بعوائد سهلة بدلاً من الطلب الحقيقي، ما يترتب عليه في النهاية فقاعة مالية مدمرة للثروة وربما للاقتصاد.
– إن السيولة الحقيقية ترتكز على ثقة راسخة في الأسس الاقتصادية، وعندما تكون الثقة في غير محلها، قد تتراجع السيولة بشكل غير متوقع، مُخلّفةً خسائر فادحة، كما يقول الرئيس المحتمل القادم للاحتياطي الفيدرالي، فهل يخضع “وارش” لاختبار حول رؤاه هذه قريبًا؟
المصادر: أرقام- مجلس الاحتياطي الفيدرالي- الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو- صندوق النقد- بروكينغز- فورتشن- بنك التسويات الدولية- مركز NBER الأمريكي للأبحاث الاقتصادية- رويترز- إنفستوبيديا- ماركت ووتش
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات