تعد البرازيل، بوصفها القوة الوازنة والأكبر في أمريكا اللاتينية، محط أنظار المراقبين بالنظر إلى ثقلها الدبلوماسي ومواقفها المستقطبة تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتتبع السياسة الخارجية البرازيلية صعود وهبوط التيارات السياسية المحلية، ما يجعل الاستحقاقات المقبلة محطة فارقة في تحديد بوصلة العلاقات مع تل أبيب، وصياغة الموقف الرسمي من القضية الفلسطينية.
في حال استمرار تيار الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الحكم، فإن الثابت هو استمرار النهج النقدي الحاد تجاه الممارسات الإسرائيلية. لقد تميز عهد لولا، خاصة منذ حرب غزة، بجرأة دبلوماسية غير مسبوقة تُرجمت في مساندة فاعلة للدعاوى القانونية الدولية ضد تل أبيب. الاستنتاج الأساسي هنا أن بقاء هذا التيار يعني تجميداً لفرص تطوير العلاقات السياسية، وإبقاء التوتر الدبلوماسي في أعلى مستوياته، مع استمرار البرازيل في أداء دور المحامي الدولي عن الحقوق الفلسطينية والمطالبة بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال.
وسيشكل بقاء لولا صمام أمان لكبح الاندفاعة الإسرائيلية في القارة، وتثبيت الموقف الدبلوماسي والقانوني المؤيد للشعب الفلسطيني بالتعاون مع الحكومات اليسارية في المنطقة مثل المكسيك.
في المقابل، يمثل صعود المعارضة اليمينية، بقيادة أسماء مثل فلافيو بولسونارو، انقلاباً كاملاً في المشهد مدفوعاً بـ “اللوبي الإنجيلي ” المتصاعد، والذي بات يشكل نحو ثلث سكان البلاد ويملك كتلة برلمانية وازنة عابرة للأحزاب. لا تنظر المعارضة واللوبي الداعم لها إلى العلاقة مع إسرائيل من منظور المصالح الجيوسياسية فحسب، بل من أبعاد عقائدية ترتبط بـ”المسيحية الصهيونية” التي ترى في دعم إسرائيل واجباً دينياً يرتبط بنبوءات كتابية. لذلك، سيعني فوز المعارضة حتماً إعادة الدفء الكامل للعلاقات، والبدء الفوري في إجراءات رمزية كبرى مثل نقل السفارة إلى القدس، ومنح تل أبيب شبكة أمان دبلوماسية في الأمم المتحدة تكسر عزلتها الدولية، مقابل التنصل من المواقف التاريخية الداعمة للحق الفلسطيني.
إقليمياً، سيحدث فوز المعارضة اليمينية تأثيراً مضاعفاً يتجاوز حدود البرازيل؛ إذ سيسرع من وتيرة التحول اليميني في أميركا اللاتينية، ويخلق محوراً محافظاً صلباً ومؤيداً لتل أبيب بالتحالف مع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي. هذا التحول قد يطلق “تأثير الدومينو” الذي يدفع دولاً أخرى في القارة لنقل سفاراتها إلى القدس وتعميق التعاون الأمني والدبلوماسي مع إسرائيل، مدفوعين بتغيرات سياسية وبراغماتية كما يظهر في كولومبيا أو باراغواي وهندوراس وفنزويلا.
لكن المثير للانتباه في كلا السيناريوهين هو وجود مساحة رمادية صلبة لا تتأثر كثيراً بهوية الساكن في قصر بلانالتو، فالروابط العسكرية، والاتفاقيات الأمنية، والتبادل التكنولوجي بين البرازيل وإسرائيل يمتلك جذوراً عميقة تمتد لعقود طويلة. المؤسسة العسكرية والأمنية البرازيلية تعتمد بشكل وثيق على التقنيات وأنظمة التسليح والاتصالات الإسرائيلية، وهي علاقات محكومة بمنطق المصالح الاستراتيجية للمؤسسات الصلبة، ما يجعلها بمنأى عن القطيعة التامة حتى في أوج الأزمات الدبلوماسية تحت حكم لولا، ومرشحة لازدهار غير مسبوق تحت حكم المعارضة اليمينية.
تظهر الآفاق المستقبلية أن البرازيل مقبلة على مفترق طرق سياسي؛ إما الاستمرار في قيادة جبهة دولية تناصر الحقوق الفلسطينية وتضغط لمحاصرة إسرائيل دبلوماسياً وقانونياً، وإما التحول إلى حليف استراتيجي وعقائدي لتل أبيب يقود قاطرة القارة اللاتينية نحو إعادة صياغة علاقتها بالشرق الأوسط، مدفوعاً بقوة دفع إيمانية وبراغماتية إقليمية لا تقبل المساومة الدبلوماسية.

التعليقات