التخطي إلى المحتوى

تنتعش وسائل الإعلام في العالم مع كثرة الأزمات والصراعات والنزاعات والحروب. حققت بعض الفضائيات العربية خلال الأعوام الماضية رواجا كبيرا مع حروب قطاع غزة وجنوب لبنان وإيران واليمن، وأخيرا الاقتتال الأهلي في إثيوبيا.

نجح البعض في توسيع تغطياته الإخبارية والنقاشية والتحليلية، مستعينا في ترويجها بإذاعة مقطتفات جذابة من المقابلات على مواقع التواصل الاجتماعي.

قدمت هذه الحالة نجوما في التحليل السياسي. ليس شرطا أن يكون النجم عميقا ودقيقا وموضوعيا، يكفيه حضورا جذابا، وأداء مثيرا، وطريقة استعراضية لافتة يقدم بها معلوماته أو شطحاته.

يحظى أصحاب الفئة الأخيرة أحيانا باهتمام من بعض الفضائيات العربية، حيث تتمكن من الحصول على مقاطع مثيرة تستقطب شريحة من المشاهدين، تزداد عندما يكون هناك ضيفان من توجهات متباينة.

مع إندلاع الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي المتحالفة مع ستة قوى وفصائل وجماعات أخرى، أقبلت الكثير من الفضائيات العربية على استضافة محللين وباحثين ومسؤولين من إثيوبيا. مع دخول مصر إعلاميا على خط هذه الحرب عقب اتهامات وجهتها أديس أبابا لها بدعم إريتريا المؤيدة لجبهة تيغراي، أقبلت بعض الفضائيات على استضافة مصريين، بجانب آخرين من إثيوبيا.

انتعشت هذه العادة كلما تصاعدت حدة أزمة سد النهضة بين البلدين. أضفيت سخونة عليها مع اندلاع الصراع العسكري في إثيوبيا، ومحاولة اقحام القاهرة فيه بحجة أنها تدعم “المتمردين” في إقليم تغراي، دون نسيان ملف سد النهضة وقصصه المعروفة والثابتة في الخطاب الإثيوبي الرسمي، والذي لا تتغير منطلقاته، لكن يمكن أن تتعدد رواياته الإعلامية، ويتسع نطاق القضايا التي يتطرق إليها.

في كل لقاء تلفزيوني أشارك فيه على إحدى القنوات العربية عن مصر وإثيوبيا، أسأل من يخبرني بموعد المقابلة عن اسم الضيف الإثيوبي، فقد حفظت أسماءهم، وهم لا يتعدون أصابع اليد الواحدة ممن يجيدون اللغة العربية، وأعرف مسبقا ماذا سيقولون.

يكررون سرديات واحدة تقريبا، بشأن حق إثيوبيا في بناء السدود بلا ضوابط ومن حقها التحكم في مياه نهر النيل، ورفض الاعتراف بالاتفاقيات التاريخية، وأن مصر ضد التنمية في إثيوبيا وتريد حرمان شعبها من الكهرباء والعيش في ظلام دامس، وكل تحركات القاهرة السياسية واتفاقياتها الأمنية، وحتى تعاونها الاقتصادي والتجاري، مع دول الجوار، الغرض منها محاصرة إثيوبيا.

أضيف إلى ذلك أخيرا ثلاثة رؤى عجيبة: الأولى تحميل مصر مسؤولية عدم بناء إثيوبيا نحو 22 سدا طوال العقود الماضية. الثانية: تشكيل لجنة وطنية لمطالبة مصر بتعويضات مادية عن استخدامها فائض مياه نهر النيل. الثالثة: مساءلة مصر عن كيفية بناء السد العالي في جنوبها من دون الحصول على موافقة إثيوبيا مسبقا.

تشير هذه الروايات إلى أن المحللين الإثيوبيين لا يريدون نقاشا موضوعيا وأن حكومتهم المركزية تسعى إلى تشتيت أزمتها مع القاهرة من أجل التنصل من مسؤوليتها عن الإخفاقات الداخلية.

المثير أن هؤلاء المحللين يكررون ما يقولونه بكل ثقة، ولا يحاولون التفكير في مضامينه الحقيقية مع أنه يحمل تناقضا فاضحا.

إذا كانت مصر تتحمل مسؤولية منع إثيوبيا من بناء 22 سدا، فهذا خطأ في الحكومات المتعاقبة في أديس أبابا التي رضخت للضغوط المصرية المجهولة والتي لم يتم تحديدها بالطبع ويتنصل محللوها من التفسير والتوضيح بالانتقال إلى موضوعات جانبية، ويطلقون اتهامات بلا أدلة ملموسة، بغرض تثبيت رؤيتهم الزائفة.

وإذا كانت إثيوبيا ستطالب مصر بتعويضات على استفادتها من فائض المياه، فهذا خلل آخر، لأن هذه المياه كانت ستذهب إلى البحر المتوسط، وكل ما فعلته القاهرة الاستفادة منها بدلا من فقدانها في مياه البحر، ما يعني لوم مصر على أنها دولة رشيدة وحكيمة ومتقدمة في مشروعات المياه. هل كانت سعادة إثيوبيا ستصبح كاملة عندما تخسر مصر هذه المياه؟

وإذا كانت أديس أبابا ستحاسب القاهرة على بناء السد العالي الذي افتتح منذ 55 عاما، فهذه فرية سياسية وفنية وعلمية، لأن مصر دولة مصب، أي آخر دولة على طول نهر النيل.

جاء تشييد السد العالي بهدف استثمار الفائض من المياه، ومنع حدوث فيضان يهدد حياة البشر، والتحسب لسنوات جفاف قد تضرب نهر النيل فيصبح المخزون معينا للدولة وقت الأزمة. هل تريد إثيوبيا معاقبة مصر على تقدمها المبكر، وتفكيرها العلمي في ترشيد المياه؟ هل تعلم أديس أبابا أن هذه المحاسبة تدينها، فهي تعني وجوب حصولها على موافقة دول حوض النيل على كل سدودها؟

الحاصل أن كل السرديات، قديمها وحديثها، التي يرددها محللون من إثيوبيا للتصدي لنظرائهم من مصر على بعض الفضائيات العربية، ليس له علاقة بالنقاش المهني. أقرب إلى: تصفية الحسابات بطريقة غير موضوعية، قلب حقائق تاريخية ثابتة وحرفها عن مجالها، تشتيت انتباه المشاهدين وإثارة اللغط حول مطالب مصر العادلة، خلق صورة ذهنية في القارة الأفريقية بأن مصر ضد التنمية وكل تحركاتها السياسية والاقتصادية وظيفية وتخدم مصالحها فقط. وإجهاض مشروعات التعاون الاقتصادي بين القاهرة ودول عديدة في القارة وتصويرها على أنها خادعة.

تعلم الحكومة الإثيوبية جيدا خطأ ما تقوله. يعلم محللوها الناطقين باللغة العربية زيفه، لكنهم مضطرون إلى ترديد قوالب وأنماط ورؤى محددة في الخطاب الإعلامي لمساعدة أديس أبابا في مهمتها السياسية الرامية إلى إحداث شوشرة على الملف الرئيسي في الأزمة مع القاهرة، والخاص بسد النهضة، الذي رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاق مُلزم بشأنه مع مصر والسودان. تنصلت من مفاوضات قطعت شوطا مهما. تبنت سلسلة اتهامات لعدم الجلوس على الطاولة وإيجاد تسوية فنية وسياسية عادلة.

من يراقب أداء المحللين المصريين أمام نظرائهم الإثيوبيين، سيجد تنوعا في توجهات الفريق الأول، وتعددا في الأسماء والتخصصات والمؤسسات التي ينتمون إليها. هناك عشرات منهم تتم استضافتهم. يدخل هؤلاء نقاشاتهم بلا تنسيق مع الجهات الرسمية في الدولة، بينما يبدو التعاون واضحا لدى الفريق الإثيوبي، لأن الخطاب والتفسيرات والمبررات متشابهة. الهدف واحد تقريبا: خدمة رؤية أديس أبابا في تحميل القاهرة مسؤولية الأزمات الداخلية في إثيوبيا والإيحاء بأنها “متآمرة” على دولتهم.

تختزل المقارنة بين المحللين المصريين والإثيوبيين على الفضائيات العربية الأزمة، وتؤكد أن جزءا كبيرا يرجع إلى غياب المصداقية لدى أديس أبابا، التي أدمنت الهروب إلى الأمام والخلف معا، لوضع الكرة في ملعب القاهرة وجعلها في موقف دفاعي، والابتعاد عن جوهر الأزمة بالتركيز على هوامشها السياسية والاقتصادية والأمنية.       

التعليقات

اترك تعليقاً