السويداء – يجد آلاف الطلاب في محافظة السويداء السورية أنفسهم خارج المدارس والجامعات، بعدما أدى استمرار الخلاف بين الحكومة السورية والفصائل الدرزية التي تسيطر على معظم المحافظة إلى تعطيل الامتحانات وعرقلة انتقال الطلبة إلى المراحل التعليمية التالية، في واحدة من أبرز صور الانقسام الذي لا يزال يعيق عودة مؤسسات الدولة إلى جنوب سوريا.
وتعكس أزمة التعليم عمق حالة عدم الثقة بين دمشق والزعامات الدرزية المحلية، بعد أعمال عنف طائفية شهدتها المحافظة العام الماضي وأسفرت عن مقتل مئات الدروز، أعقبها تدخل عسكري إسرائيلي وقصف مواقع للجيش السوري، قالت إسرائيل إنه جاء لحماية الأقلية الدرزية.
وبالنسبة إلى طلاب كثيرين، لم تعد الدراسة مجرد مسار أكاديمي، بل أصبحت مرتبطة بالمخاوف الأمنية وبالانقسام الجغرافي والسياسي بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وتلك الخاضعة للفصائل المحلية.
كانت مرام أبوحمرا، البالغة من العمر 20 عاما، تطمح إلى دراسة الهندسة المعمارية في مدينة حلب شمال سوريا، لكنها عادت إلى السويداء قبل أكثر من عام، خوفا من العودة إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة.
وقالت “كان كل طالب هدفه أو حلمه إنه يكون مهندس أو دكتور أو فنان أو أي شيء إنه يكون قادر إنه يوصل له، بس الحزن والخوف والزعل كانوا قادرين إنه يسيطروا على هذا الشيء”.
تقع السويداء في جنوب غرب سوريا على الحدود مع الأردن، وهي موطن لغالبية الدروز في البلاد، الذين يقدر عددهم بنحو 700 ألف شخص.
وتسيطر على معظم المحافظة حاليا قوات موالية للشيخ الدرزي حكمت الهجري، الذي قال في مقطع مصور نشر في أغسطس/آب إن الطائفة الدرزية “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”.
وفي ظل دعوات من دروز إسرائيليين لتقديم الدعم لأقرانهم في سوريا، بررت إسرائيل تدخلاتها العسكرية في سوريا مرارا بأنها تهدف إلى حماية الدروز.
في المقابل، تعهد الرئيس السوري أحمد الشرع بإعادة توحيد الأراضي السورية تحت قيادة واحدة، في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها مع الغرب بعد الإطاحة ببشار الأسد في 2024.
لكن كثيرا من الدروز لا يثقون في تعهدات الحكومة بشأن حماية حقوقهم، ويشيرون إلى ماضي الشرع وصلاته السابقة بتنظيم القاعدة، إضافة إلى أعمال القتل الجماعي التي وقعت العام الماضي.
وقال فهد أبوسعد، الذي تخلف ابنه وابنته عن أداء امتحانات نهاية العام “خوفنا مبرر لأنه في حوادث سابقة ما صار لها زمان، ما صار لها سنة”.
وكانت السلطات السورية قد ألغت في البداية امتحانات الثانوية العامة وامتحانات القبول الجامعي في السويداء العام الماضي بسبب أعمال العنف.
وانسحبت القوات الحكومية من معظم أنحاء المحافظة، بينما منع الهجري عودتها، وهو ما ساهم في تشديد موقفه من مسألة إعادة دمج السويداء في مؤسسات الدولة المركزية. كما أسس الهجري فصيلا مسلحا أطلق عليه اسم “الحرس الوطني”.
وتعد المناطق الخاضعة لسيطرة الهجري حاليا آخر منطقة رئيسية في سوريا لا تخضع لسيطرة الحكومة المركزية، بعدما بدأت السلطات الكردية في شمال شرق البلاد عملية اندماج مع دمشق في وقت سابق من العام، عقب هجوم حكومي خاطف.
وفي الوقت نفسه، يسعى أكراد سوريا إلى الحفاظ على التعليم بلغتهم الأم ضمن ترتيبات دمج المناطق الخاضعة لإدارتهم.
وعاد العديد من الطلاب الدروز الذين كانوا يدرسون في مناطق أخرى من سوريا إلى السويداء خلال عام 2025، لكن العملية التعليمية والامتحانات تعطلت مجددا هذا العام وسط تبادل الاتهامات بين الحكومة والفصائل الدرزية.
وعرضت دمشق في الربيع إرسال مراقبين إلى السويداء للإشراف على الامتحانات، إلا أن بعض الدروز اعتبروا الخطوة محاولة لإعادة نشر القوات الحكومية في المحافظة.
وقال قتيبة عزام، مدير العلاقات الإعلامية للحكومة في محافظة السويداء، إن الفصائل المحلية هددت المراقبين، وهو ما لم تتمكن رويترز من التحقق منه بشكل مستقل.
وفي أغسطس/آب، اقترحت دمشق أن يؤدي الطلاب المقيمون في المناطق التي يسيطر عليها الهجري امتحاناتهم في الجزء الشمالي من محافظة السويداء، الذي تسيطر عليه الحكومة حاليا.
لكن الاقتراح أثار مخاوف الطلاب وأولياء أمورهم، الذين يخشون انتقال أبنائهم إلى مناطق لا يشعرون بالأمان فيها.
وقال أبوسعد إن “المفارقة اللي بدي أحكي فيها إنه إحنا ممنوع علينا نخاف على أبنائنا يروحوا على الصورة أو على مناطق الريف الشمالي، بس بالمقابل مسموح لوزارة التربية إنها تخاف على مندوبيها من إنهم يجوا لهون”.
ويخشى بعض الدروز، الذين لا تزال آثار أحداث العنف التي وقعت العام الماضي حاضرة لديهم، من أن تعتبر قوات الهجري الطلاب “خونة” لمجرد سفرهم إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة لأداء الامتحانات.
وقال طارق عدوان، المسؤول المحلي المعين من الحكومة، لرويترز إن فصائل مسلحة في مدينة السويداء هاجمت حافلات كانت ستنقل الطلاب إلى مراكز الامتحانات.
ووفقا لأرقام حكومية نشرتها الوكالة العربية السورية للأنباء، لم يتمكن سوى نحو 150 طالبا من أصل 13 ألفا و700 طالب في السويداء من خوض الامتحانات هذا العام، وهي امتحانات ضرورية للانتقال إلى المرحلة الثانوية أو الالتحاق بالتعليم الجامعي.
وبذلك بقي آلاف الطلاب خارج المسار التعليمي المعتاد، بينما يواجه طلبة الجامعات الذين كانوا يدرسون في محافظات أخرى المشكلة نفسها، بعدما حالت المخاوف الأمنية دون عودتهم إلى جامعاتهم.
وتقول مرام إن حلمها بدراسة الهندسة المعمارية في حلب أصبح معلقا، في وقت لا تعرف فيه متى يمكنها العودة إلى الدراسة أو استكمال المسار الذي اختارته.
وتتمتع السويداء بدرجة كبيرة من الاستقلالية منذ سنوات طويلة، بما في ذلك خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت قرابة 14 عاما، وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين.
لكن استمرار الانقسام بعد سقوط نظام الأسد أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى وضع المحافظة، إذ لم يعد الخلاف مقتصرا على الترتيبات الأمنية أو السياسية، بل امتد إلى مؤسسات أساسية مثل التعليم والامتحانات والاعتراف بالمؤسسات الحكومية.
وفي محاولة لمعالجة الوضع، اتفقت الحكومة السورية والأردن والولايات المتحدة العام الماضي على خارطة طريق من سبع خطوات لتسوية الصراع في السويداء، لكن الأمم المتحدة قالت في يونيو/حزيران إن الخطة لم تحقق “أي تقدم”.
ومع استمرار غياب تسوية سياسية وأمنية بين دمشق والقيادات الدرزية، يبقى مستقبل آلاف الطلاب في السويداء مرتبطا بمسار أوسع يتجاوز قطاع التعليم، ويشمل مستقبل العلاقة بين المحافظة والحكومة المركزية، وترتيبات الأمن المحلي، ومصير المناطق التي لا تزال خارج سيطرة دمشق.

التعليقات