
رغم التحسن الملحوظ في تدفقات النفط القادمة من منطقة الشرق الأوسط، لا تزال أسعار الخام العالمية تتحرك فوق مستوى 100 دولار للبرميل، في مشهد يعكس أن أزمة سوق الطاقة لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإمدادات المتاحة، وإنما بمجموعة متشابكة من المخاطر الجيوسياسية، وتراجع المخزونات، وارتفاع تكاليف النقل، ونقص الوقود المكرر.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن عودة تدفقات الخام إلى مستويات تقترب من تلك المسجلة قبل اندلاع الصراع لا تعني بالضرورة عودة سوق النفط إلى وضعها الطبيعي، فالبراميل المتاحة تحتاج إلى أن تصل إلى الأسواق بصورة آمنة ومنتظمة وبتكلفة مقبولة، وهو ما لا يزال يواجه تحديات كبيرة.
ورغم إعلان دول مجموعة السبع وشركائها الإفراج عن ما يصل إلى 100 مليون برميل من مخزونات النفط والديزل الطارئة، لم تنجح الخطوة في دفع الأسعار إلى الانخفاض بصورة واضحة، في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بالإمدادات ومسارات الشحن.
1- مخاوف التصعيد تفرض علاوة على الأسعار
يظل العامل الجيوسياسي أحد أبرز أسباب ارتفاع أسعار النفط، في ظل عدم حسم الصراع بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار المخاوف من تجدد المواجهات بصورة أوسع.
وتزداد حساسية السوق تجاه التطورات العسكرية بسبب الأهمية الاستراتيجية لممرات نقل النفط، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره قبل الحرب نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
كما أن استمرار التوترات في البحر الأحمر يمثل ضغطًا إضافيًا على حركة التجارة والطاقة، مع تهديد مسارات نقل أخرى عبر مضيق باب المندب.
وبالتالي، فإن الأسواق لا تسعّر النفط وفق الإمدادات الحالية فقط، بل تضع في الحساب أيضًا احتمال حدوث اضطرابات جديدة يمكن أن تقلص المعروض المتاح خلال فترة قصيرة.
2- ارتفاع تكلفة نقل البرميل
حتى مع عودة جزء من الإمدادات، فإن نقل النفط من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك أصبح أكثر تكلفة بسبب اضطراب حركة الملاحة.
وتتجاوز تكلفة استئجار ناقلات النفط القياسية لنقل الخام من مياه الخليج العربي إلى الصين 1.2 مليون دولار يوميًا، وهو مستوى مرتفع يضيف أعباء جديدة إلى تكلفة وصول البراميل للأسواق.
وتعتمد بعض عمليات إخراج الخام من مضيق هرمز على النقل المكوكي بين السفن وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، إلى جانب استخدام مسارات غير تقليدية، ما يعكس استمرار الصعوبات اللوجستية حتى مع تحسن كميات الإمدادات.
3- المخزونات العالمية عند مستويات منخفضة
تمثل المخزونات عنصرًا حاسمًا في تفسير استمرار ارتفاع أسعار النفط، إذ تراجعت المخزونات العالمية بأكثر من 400 مليون برميل منذ مارس، لتصل إلى نحو 4.3 مليار برميل، وهو مستوى يقترب من أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات.
ويعني انخفاض المخزونات أن الأسواق تمتلك هامش أمان أقل لمواجهة أي اضطراب جديد في الإمدادات، وهو ما يجعل المتعاملين أكثر حساسية تجاه الأخبار المتعلقة بالإنتاج والشحن والتوترات الجيوسياسية.
وفي الوقت نفسه، تعافى الطلب العالمي على النفط إلى نحو 104.8 مليون برميل يوميًا، بزيادة قدرها 6.5 مليون برميل يوميًا مقارنة بأدنى مستوى سجله خلال الحرب في مايو.
وهنا تظهر معادلة مهمة،ارتفاع الطلب بالتزامن مع انخفاض المخزونات يجعل أي نقص جديد في المعروض أكثر تأثيرًا على الأسعار.
4- أزمة الوقود لا تنتهي بعودة الخام
من أبرز العوامل التي تبقي أسعار النفط مرتفعة أن المشكلة لا تتعلق بالخام وحده، وإنما تمتد إلى قدرة المصافي على تحويله إلى منتجات نهائية يحتاج إليها المستهلكون، وفي مقدمتها الديزل.
ولا تزال صادرات الوقود من اثنين من أكبر مراكز التكرير، وهما الشرق الأوسط وروسيا، مقيدة، ما يدفع المصافي في مناطق أخرى إلى العمل بمعدلات مرتفعة لتعويض النقص.
وتؤدي هذه الأوضاع إلى زيادة الطلب على الخام من جانب المصافي التي تحاول الحفاظ على مستويات إنتاجها، في الوقت الذي تواجه فيه مخاطر تشغيلية نتيجة الضغط المستمر على معدات التكرير.
وبالتالي، فإن عودة الخام إلى الأسواق لا تعني تلقائيًا انتهاء أزمة المنتجات النفطية، لأن عملية تحويل النفط إلى وقود نهائي تحتاج بدورها إلى طاقات تكريرية مستقرة وسلاسل إمداد آمنة.
5- النفط يعود كأداة للتحوط من التضخم
لا يقتصر تأثير أسعار النفط المرتفعة على العرض والطلب الفعليين، إذ تلعب توقعات الأسواق دورًا متزايدًا في تحديد اتجاه الأسعار.
ومع استمرار ارتفاع تكاليف الوقود، تتزايد الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو إعادة النظر في مسار خفضها.
وفي المقابل، يرى المتعاملون أن النفط يمكن أن يصبح أداة للتحوط من التضخم، خصوصًا مع ارتفاع عوائد السندات خلال الفترة الأخيرة.
وهذا النوع من الطلب لا يعني بالضرورة زيادة الاستهلاك الفعلي للنفط، لكنه قد يرفع الأسعار من خلال زيادة نشاط المستثمرين في أسواق الخام.
الخلاصة.. عودة الإمدادات لا تكفي
تكشف حركة سوق النفط الحالية أن ارتفاع الأسعار فوق 100 دولار لا يرتبط بعامل واحد، وإنما نتيجة تداخل خمسة عوامل رئيسية – مخاطر التصعيد العسكري، وارتفاع تكاليف الشحن، وانخفاض المخزونات، ونقص الوقود المكرر، وزيادة الطلب الاستثماري للتحوط من التضخم.
ولهذا، فإن عودة تدفقات الخام إلى مستويات قريبة من فترة ما قبل الحرب لا تعني أن الأسعار ستعود تلقائيًا إلى مستوياتها السابقة، طالما ظلت تكلفة نقل البراميل مرتفعة، والمخزونات منخفضة، وممرات الشحن معرضة للاضطرابات، وقدرات التكرير تواجه ضغوطًا.
وتظل قدرة السوق على استعادة التوازن مرتبطة بعودة حركة التجارة والطاقة إلى مسارات أكثر استقرارًا، وارتفاع المخزونات العالمية، وتحسن إمدادات الوقود النهائي، إلى جانب تراجع المخاطر الجيوسياسية التي أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في تسعير النفط.

التعليقات