التخطي إلى المحتوى

ماو والقفزة الكبرى .. اقتصاد يقود إلى المجاعة

في التاريخ الاقتصادي، لا تبدأ الكوارث الكبرى دائماً بانهيار مفاجئ؛ أحياناً تبدأ بقرار يبدو، في لحظته، طموحاً ومصمماً لتسريع النمو. وهكذا كانت تجربة «القفزة الكبرى إلى الأمام» في الصين التي تعتبر مثالاً على المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تنتقل القرارات الاقتصادية والزراعية من الأفراد والأسواق إلى جهاز مركزي يحدد الإنتاج والموارد والأهداف.

 

ونتذكر هنا تحذير «كتاب الوثائق» الصيني القديم: «يمكن الإفلات من الكارثة التي يفرضها القدر، أما الكارثة التي يصنعها الإنسان بنفسه فلا مفر منها».

 

 

القفزة إلى الأمام

 

فهذه العبارة تلخص جانباً من المأساة التي شهدتها الصين في عهد ماو تسي تونغ، ولا سيما خلال «القفزة الكبرى إلى الأمام»، التي ارتبطت بمجاعة واسعة النطاق بين 1959 و1961. وتختلف تقديرات عدد الوفيات المرتبطة بالمجاعة بحسب المنهج والمصدر، بينما تؤكد المراجع التاريخية أن سياسات «القفزة» ونظام الكومونات أسهما في تفاقم أزمة الغذاء، إلى جانب عوامل أخرى، بينها الظروف الطبيعية.

 

قبل وصول ماو إلى السلطة، نشر الاقتصادي النمساوي فريدريش فون هايك كتابه «الطريق إلى العبودية» عام 1944. وكان في الكتاب فكرة أن من يسيطر بصورة كاملة على وسائل الإنتاج يملك، عملياً، قدرة واسعة على تحديد الأهداف التي ينبغي للمجتمع أن يسعى إليها.

 

وفي الحالة الصينية، أصبحت زيادة إنتاج الصلب والصناعة هدفاً مركزياً، فيما رُفعت شعارات تدعو إلى الإنتاج “أكثر، وأسرع، وأفضل، وأرخص”.

 

بيد أن النتيجة كانت بعيدة عن الطموح المعلن. فقد أدت سياسات «القفزة الكبرى» إلى اضطراب الإنتاج الزراعي، ونقص الغذاء، وتراجع كفاءة قطاعات صناعية، بينما أصبحت التقارير المحلية عن الإنتاج المبالغ فيه جزءاً من المشكلة.

 

وتشير دراسات تاريخية إلى أن نظام الكومونات، الذي توسع بسرعة منذ 1958، جمع أعداداً كبيرة من القرى والأسر تحت وحدات إنتاجية ضخمة، مع تركيز وسائل الإنتاج والقرار الاقتصادي في إطار جماعي مركزي.

 

التمهيد: إصلاح الأراضي

 

فالطريق إلى «القفزة الكبرى» بدأ قبلها بسنوات، خلال حملات إعادة توزيع الأراضي التي أعقبت وصول الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة عام 1949. فقد استخدمت السلطات آنذاك جلسات النضال والاعترافات القسرية والنقد الذاتي وتحديد «أعداء الطبقة» لترسيخ الانضباط السياسي، ثم رافقت إصلاحات الأراضي عمليات مصادرة وإعادة توزيع واسعة.

 

وتستشهد الرواية بأعمال الكاتبة إيلين تشانغ، ولا سيما روايتها «الأرض العارية»، لتصوير أجواء الإذلال العلني والعنف التي تعرض لها بعض ملاك الأراضي والمزارعين.

 

هذا فضلا عن طقوس «التحدث عن المرارة»، التي كان يُطلب خلالها من السكان عرض مظالمهم ضد ملاك الأراضي، في عملية استهدفت تغيير البنية الاجتماعية والاقتصادية للريف.

 

وفي يونيو 1950، شدد ماو على أن الحرب والإصلاح الزراعي يمثلان اختبارين أساسيين في المرحلة التاريخية الجديدة. وبعد مصادرة الأراضي، اعتبر أن الإجراءات المتخذة حققت انتصاراً للثورة، وربط مشاركة الفلاحين في الإصلاح الزراعي بهدف أوسع هو تمكين الصين من التصنيع.

 

 

من الملكية الفردية إلى الكومونات

 

في البداية، حصل بعض الفلاحين على شهادات ملكية للأرض والمنازل عام 1952، تضمنت حقوقاً في الزراعة والبيع والنقل والتوريث. لكن هذا الترتيب لم يستمر طويلاً. ففي منتصف الخمسينيات، انتقلت الصين تدريجياً إلى التعاونيات الزراعية، ثم إلى الملكية الجماعية، قبل أن تكتمل عملية إنشاء الكومونات الشعبية “التجمعات” على نطاق واسع مع «القفزة الكبرى». وتشير مصادر تاريخية إلى أن الكومونات أصبحت وحدات اقتصادية وإدارية واسعة تسيطر على وسائل الإنتاج وتضع خططاً للإنتاج الزراعي والصناعي.

 

وفي 1958، بدأت «القفزة الكبرى إلى الأمام» رسمياً تقريباً، مع تشديد التخطيط المركزي ووضع أهداف للإنتاج والري والأسمدة والبذور وأساليب الزراعة. وبات الفلاحون يعملون داخل الكومونات بدلاً من اتخاذ القرارات المتعلقة بأراضيهم وإنتاجهم بصورة مستقلة.

 

كما انتشرت أفران بدائية لإنتاج الحديد والصلب، في محاولة لتحقيق أهداف التصنيع بسرعة استثنائية. وبحلول خريف 1958، كانت عشرات الآلاف من الكومونات قد أُنشئت، وأصبحت الوحدة الجماعية مسؤولة عن قطاعات واسعة من الإنتاج والحياة الاقتصادية المحلية.

 

المجاعة وسوء تقدير الإنتاج

 

مع تراجع الإنتاج الزراعي، ظلت أهداف التوريد والإنتاج مرتفعة. وكانت التقارير التي تبالغ في تقدير المحاصيل تزيد صعوبة اكتشاف حجم الأزمة في الوقت المناسب. وعندما لم تتحقق الحصص المطلوبة، فسّر المسؤولون النقص في كثير من الحالات بأنه نتيجة إخفاء الفلاحين للحبوب، بدلاً من الاعتراف بأن الخطة نفسها قد تكون غير واقعية.

 

أدى ذلك إلى عمليات تفتيش ومصادرة قسرية، بينما كان السكان يعانون نقص الغذاء. وتشير المراجع التاريخية إلى أن المجاعة الناتجة عن «القفزة الكبرى» كانت من أكبر الكوارث الغذائية في القرن العشرين، وأن سوء الإدارة الاقتصادية والسياسات الزراعية لعبت دوراً رئيسياً فيها، مع وجود نقاش تاريخي حول الوزن النسبي للعوامل الطبيعية والسياسية.

 

وتتراوح تقديرات الوفيات الزائدة على نطاق واسع؛ إذ تذكر بعض الدراسات أرقاماً بعشرات الملايين. كما خلفت المجاعة آثاراً طويلة الأمد على الصحة والسكان. وفي هذا الإطار تتعدد الدراسات التي تؤكد أن بعض الناجين الذين ولدوا خلال سنوات المجاعة كانوا أقصر قامة في المتوسط نتيجة سوء التغذية، كما تذكر تقديرات عن انخفاض عدد المواليد خلال تلك الفترة.

 

ولم تكن المشكلة في انخفاض الإنتاج وحده، بل في قدرة النظام على الاستجابة للمعلومات القادمة من المناطق الزراعية. فعندما تصبح الحصص والأهداف محددة مركزياً، بينما تكون البيانات المرسلة إلى أعلى هرم القرار غير دقيقة أو مبالغاً فيها، تصبح عملية تصحيح المسار أكثر صعوبة. وهذا أحد الجوانب التي ركزت عليها الدراسات التاريخية في تفسير اتساع نطاق الأزمة.

 

 

الدرس الاقتصادي

 

ويختلف الباحثون في تفسير أسباب المجاعة وفي تقييم العلاقة بين الملكية الخاصة والتخطيط المركزي. كما أن الدراسات التاريخية تشير إلى تداخل عوامل عدة، بينها السياسات الاقتصادية، وآليات الإدارة، والظروف الزراعية والطبيعية، بدلاً من اختزال الكارثة في عامل واحد.

 

لكن التجربة الصينية توضح حجم المخاطر التي قد تنشأ عندما تُفرض أهداف إنتاجية طموحة على قطاع زراعي واسع، مع ضعف تدفق المعلومات من القاعدة إلى صانعي القرار وغياب القدرة على تصحيح السياسات بسرعة.

 

كما تعد التجربة درساً في الاقتصاد والسياسة: فحين تصبح الأرقام المستهدفة أهم من الواقع الميداني، وحين لا يستطيع المنتجون الإبلاغ عن المشكلات أو اتخاذ قرارات مستقلة، يمكن أن تتحول خطة للنمو السريع إلى أزمة واسعة النطاق.

 

وقد بقيت آثار تلك الحقبة حاضرة في الذاكرة الصينية، كما شكّلت لاحقاً خلفية مهمة للنقاش حول الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت بعد وفاة ماو وتوسعت خلال عهد دنغ شياو بينغ.

 

المصدر: “ذا ديلي إيكونومي”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً