التخطي إلى المحتوى

اختيارات القراء .. الأرباح ليست وجهة نظر والنقد ليس حقيقة مطلقة

في عام 1494، نشر عالم الرياضيات الإيطالي لوكا باتشولي كتابه “خلاصة في الحساب والهندسة والنِّسَب والتناسب”، وفيه ظهر أول وصف مطبوع معروف لنظام القيد المزدوج؛ التقنية التي ستصبح لاحقًا اللغة الأساسية لعالم الأعمال.

 

 

تكمن عبقرية القيد المزدوج في أنه لا ينظر إلى أي معاملة مالية من زاوية واحدة؛ فكل عملية تترك أثرًا في أكثر من موضع داخل القوائم، فقد تسجل الشركة بيعًا وربحًا اليوم، لكن النقد لا يصل إليها إلا عندما يدفع العميل بالفعل، فيما يعرف بـ “مبدأ الاستحقاق”.

 

وبعد أكثر من خمسة قرون، يبدو أن المستثمرين ما زالوا يرتكبون الخطأ الذي حاولت المحاسبة علاجَه: البحث عن رقم واحد يمنحهم الحقيقة كاملة، سواء كان صافي الربح أو التدفق النقدي أو الرصيد الموجود في البنك.

 

ومن هنا جاءت واحدة من أشهر الحكم في أسواق المال: “الأرباح وجهة نظر، والسيولة النقدية حقيقة“، التي استشهد بها أحد القراء الأعزاء تعليقًا على قصة انهيار الشركة الصينية “هويشان” وسط اتهامات لها بالتلاعب بالقوائم المالية.

 

 

لكن التاريخ المالي للشركات يقترح حقيقة أكثر إثارة: أحيانًا تكذب الأرباح، وأحيانًا يضلل النقد أيضًا.

 

كيف تفلس شركة كانت تحقق أرباحًا؟

 

– في مارس 2017، كانت القوائم المالية لشركة الإنشاءات البريطانية “كاريليون” لا تزال تعرض صورة يمكن للمستثمر العابر أن يقرأها باعتبارها مطمئنة، فالشركة حققت ربحًا قدره 129.5 مليون جنيه إسترليني خلال 2016.

 

– لكن أسفل قائمة الدخل كانت هناك قصة أخرى تتوارى عن الأنظار، إذ بلغ صافي النقد الناتج من التشغيل 73.3 مليون إسترليني فقط، وبعد إنفاق 37.3 مليون على الأصول، يتبقى تدفق حر مبسط يقارب 36 مليونًا.

 

– مع ذلك، دفعت الشركة 78.9 مليون إسترليني كتوزيعات لمساهمي الشركة الأم؛ أي أكثر من ضعف التدفق الحر المبسط الذي ولدته أعمالها في العام نفسه.

 

– التفصيل الأكثر أهمية كان مختبئًا في رأس المال العامل، حيث استنزفت زيادة المدينين 290.6 مليون إسترليني من النقد، فيما أضاف ارتفاع الدائنين 301.5 مليون إسترليني، فكأن الموردين ساعدوا عمليًا في تمويل فجوة التحصيل من العملاء.

 

– بعد عشرة أشهر فقط، دخلت “كاريليون” التصفية الإجبارية، وبحسب التحقيق البرلماني البريطاني، كانت تملك نحو 29 مليون إسترليني نقدًا مقابل التزامات قاربت 7 مليارات إسترليني، بعد خفض قيم عقود تجاوزت مليار إسترليني.

 

 

– لم تفلس “كاريليون” لأن “الأرباح كاذبة” ببساطة؛ فقد اجتمعت مشكلات العقود والديون والمعاشات والتمويل والتوزيعات، لكن القصة تكشف سؤالًا كان متاحًا قبل الانهيار: أين يذهب الربح إذا لم يتحول إلى نقد؟

 

عندما تكون الخسارة أقل سوءًا مما تبدو

 

– في الطرف الآخر من المفارقة تقف “أمازون” خلال عام 2002، عندما سجلت خسارة صافية قدرها 149.1 مليون دولار، وهو رقم كان يكفي آنذاك لإعطاء انطباع عن شركة ما زالت بعيدة عن نموذج اقتصادي مستقر.

 

– لكن عملياتها ولدت 174.3 مليون دولار نقدًا، وبلغ التدفق النقدي الحر نحو 135 مليون دولار، وفي عام 2003 تحول صافي النتيجة إلى ربح متواضع قدره 35.3 مليون دولار، وقفز التدفق التشغيلي إلى 392 مليونًا.

 

– كانت قائمة الدخل تقول إن “أمازون” خسرت في 2002، بينما كانت قائمة التدفقات تقول شيئًا مختلفًا: النشاط بدأ بالفعل يولد نقدًا، والتحول النقدي سبق التحول إلى الربحية السنوية.

 

 

– هذا ليس استثناء خاصًا بـ “أمازون”، ففي السنة المالية 2015، سجلت “سيلزفورس” خسارة قدرها 262.7 مليون دولار، لكنها ولدت نحو 1.174 مليار دولار نقدًا من التشغيل.

 

– جزء كبير من المفارقة جاء من نموذج الاشتراكات؛ فقد أضاف تغير الإيرادات المؤجلة 798.8 مليون دولار إلى الجسر النقدي، كما بلغ مصروف التعويض بالأسهم 564.8 مليون، وهو مصروف يخفض الربح دون خروج نقد مماثل لحظيًا.

 

– هنا يظهر الفخ المقابل: التدفق القوي لا يعني أن كل تكلفته اختفت، فالإيراد المؤجل يقابله التزام بتقديم خدمة مستقبلية، والتعويض بالأسهم لا يستنزف أموال الخزينة لكنه يمكن أن يخفف ملكية المساهمين.

 










نماذج من تجارب الشركات

الشركة والفترة

صافي الربح/الخسارة

التدفق التشغيلي

التدفق الحر

ماذا تكشف المفارقة؟

كاريليون 2016

+129.5 مليون إسترليني

+73.3 مليون إسترليني

+36 مليون إسترليني

ربح وتوزيعات أكبر من النقد المتبقي بعد الاستثمار

أمازون 2002

–149.1 مليون دولار

+174.3 مليون دولار

+135 مليون دولار

النقد تحسن قبل ظهور الربح السنوي

سيلزفورس 2015

–262.7 مليون دولار

+1.174 مليار دولار

+883 مليون دولار

الاشتراكات والمصروفات غير النقدية غيرت الصورة

نتفليكس 2019

+1.867 مليار  دولار

–2.887 مليار دولار

–3.274  مليار دولار

الربح لم يمنع احتياجًا ضخمًا لتمويل المحتوى

           

هل التدفق السالب يعني أن الشركة مريضة؟

 

– في 2019 قدمت “نتفليكس” صورة معاكسة لـ “أمازون”، حيث حققت 1.867 مليار دولار من صافي الأرباح، لكنها استهلكت 2.887 مليار دولار نقدًا في التشغيل، وبلغ تدفقها الحر سالب 3.274 مليار دولار.

 

– قد يبدو ضعف التدفق النقدي مقلقًا، لكن السبب أن الشركة تدفع جزءًا كبيرًا من تكلفة إنتاج وشراء المحتوى مقدمًا، بينما تُسجل هذه التكلفة كمصروف على عدة سنوات لاحقة.

 

– في ذلك العام دفعت “نتفليكس” نقدًا لإنتاج وشراء المحتوى أكثر بنحو 5.4 مليار دولار من التكلفة التي ظهرت كمصروف في أرباح ذلك العام؛ لأن جزءًا من هذه التكلفة يُسجَّل محاسبيًا على سنوات لاحقة.

 

 

– كانت الحاجة إلى التمويل حقيقية، لكنها لم تثبت أن الاستثمار في المحتوى بلا قيمة، وهذا فارق جوهري، فالتدفق النقدي الحر السالب قد يعني أن النشاط ينهار، وقد يعني أن الشركة تدفع اليوم لبناء أصل سيولد إيرادات غدًا.

 

حتى النقد يمكن أن يُجمَّل

 

– إذا كانت الأرباح خاضعة للتقديرات، فالنقد ليس معصومًا من طريقة عرضه، إذ يمكن للشركة أن تؤخر السداد للموردين، أو تبيع مستحقاتها، أو تخفض مخزونها، فتحسن التدفق الحالي على حساب فترات لاحقة.

 

– تقدم “جنرال إلكتريك” مثالًا واضحًا، ففي تسوية مع هيئة الأوراق المالية الأمريكية، قالت الهيئة إن نمو التحصيلات النقدية الصناعية اعتمد أساسًا على بيع مستحقات داخلية إلى وحدتها المالية “جنرال إلكتريك كابيتال”، بما سرّع توليد نقدٍ كان سيُحصّل مستقبلًا.

 

– الأمر نفسه أصاب الأرباح، حيث قالت الهيئة إن خفض تقديرات تكاليف سابقة ساهم بنحو 29% من أرباح وحدة الطاقة في 2016 و45% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2017.

 

– لم تكن المشكلة رقمًا واحدًا؛ بل طريقة عرض عدة أرقام معًا.

 

هل العلم المالي يحسم المعركة لصالح النقد؟

 

– ليس تمامًا، ففي دراسة لمجموعة من الباحثين شملت 1337 شركة بين عامي 1963 و1992، وجدت النتائج أن الأرباح كانت أفضل من التدفق التشغيلي الحالي في التنبؤ بالتدفقات التشغيلية المستقبلية.

 

– مثال مبسط: شركة ربحت 100 مليون لكن عملاءها لم يدفعوا بعد، فيبدو التدفق النقدي ضعيفًا هذا العام؛ إذا كانت المبيعات حقيقية وسيتم التحصيل لاحقًا، فقد يكون الربح الحالي مؤشرًا أفضل على النقد الذي سيولد مستقبلًا مقارنة ببيانات التدفق النقدي الضعيفة في السنة نفسها.

 

– السبب وراء ذلك أن المحاسبة بالاستحقاق ليست عيبًا صُمم لإخفاء الواقع، فوظيفتها الأصلية إزالة بعض ضوضاء توقيت الدفع والتحصيل،  فإذا اشترت شركة آلة ستعمل عشر سنوات، فإن تحميل سنة الشراء بكل تكلفتها قد يكون بدوره وصفًا سيئًا لأداء تلك السنة.

 

إذن ما الذي يستحق أن يصدقه المستثمر؟

 

– الأفضل ألا يبدأ المستثمر بترتيب المؤشرات من “الأهم” إلى “الأقل أهمية”، بل بترتيب الأسئلة. الربحية تجيب عن سؤال “هل النشاط يخلق فائضًا اقتصاديًا؟” والتدفقات تجيب عن “هل يتحول ذلك الفائض إلى مال قابل للاستخدام؟”.

 

– ثم تأتي الميزانية لتطرح سؤال “هل يصل هذا المال في الوقت المناسب لسداد الدين والموردين والرواتب؟”، وبعد ذلك فقط يأتي السؤال النهائي “هل تستخدم الإدارة النقد المتبقي بطريقة تضيف قيمة أم تبدده؟”.

 

 

– عندما ترتفع الأرباح ويهبط النقد لسنوات متتالية، يجب فهم بنود المدينين والمخزون والعقود، أما عندما يقفز النقد فوق الأرباح، فيجب معرفة ما إذا كان سببه العملاء أم الموردين أم التعويض بالأسهم.

 

– عندما تكون الشركة خاسرة لكنها تملك سيولة، فإن السؤال ليس “هل لديها نقد؟”، بل “كم من الوقت يشتري هذا النقد؟” و”ما الذي يفترض أن يتغير قبل نفاده؟”، فالتمويل يستطيع شراء الوقت، لكن لا يستطيع وحده إصلاح اقتصاد نشاط لا يتحسن.

 

– بعد خمسة قرون من “باتشولي”، ربما تكون هذه هي الحكمة التي نسيها المستثمرون من القيد المزدوج: الحقيقة المالية لا تسكن رقمًا منفردًا، وإنما في العلاقة بين الأرقام.

 

– لذلك فالمقولة الشهيرة التي استشهد بها صديقنا تحتاج تعديلًا صغيرًا: “الأرباح ليست مجرد رأي، والنقد ليس حقيقة مطلقة، فالحقيقة تبدأ عندما تتفق قائمة الدخل والتدفقات والميزانية على القصة نفسها؛ أما عندما تختلف، فيجب أن يبدأ التحقيق الحقيقي”.

 

المصادر: أرقام- نسخة كتاب “باتشولي” لدى معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز- التقرير السنوي لشركة “كاريليون” لعام 2016- تحقيق مجلس العموم البريطاني في انهيار “كاريليون”- إفصاحات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

دراسات: The relation between earnings and cash flows– Equity Valuation Using Multiples– Is Cash Flow King in Valuations

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً