التخطي إلى المحتوى

المليارديرات بعد السبعين .. لماذا لا يعرفون كيف يتقاعدون؟

رجل تجاوز عمره 70 عامًا ومع ذلك يستيقظ مبكرًا، لا ليجلس على أريكته، بل ليقرأ عشرات التقارير المالية لشركاته، ولا يفعل ذلك لحاجته إلى المال؛ فثروته الصافية البالغة 149 مليار دولار يمكنها تمويل نظام الرعاية الصحية لدولة صغيرة لمدة عقد كامل.

 

 

يحدث ذلك في وقت ينشغل فيه معظم من بلغوا سن التقاعد بحساب قيمة معاشاتهم ومدى قدرتها على مواكبة احتياجاتهم وسط موجات التضخم، أو بالتخطيط لأيام أكثر هدوءًا، أو بالتفكير في المكان الذي سيقضون فيه ما تبقى من حياتهم.

 

ففي عالم يُنظر فيه إلى التقاعد غالبًا باعتباره المكافأة المنتظرة لعقود من العمل، يبدو أن المليارديرات لديهم سيناريو مختلف تمامًا.

 

إذ لا يزال بعض أغنى رجال العالم ممن تخطوا سبعين عامًا يتولون إدارة مجالس شركاتهم، ولهم تأثير قوي في تحريك الأسواق، وعقد الصفقات، والتأثير على قطاع الأعمال.

 

وبحسب قائمة فوربس لمليارديرات العالم لعام 2026، بلغ عدد المليارديرات مستوى قياسيًا عند 3428 مليارديرًا بثروة إجمالية وصلت إلى 20.1 تريليون دولار أمريكي، بمتوسط عمر يبلغ 65 عامًا، مع بقاء عدد كبير منهم نشطين اقتصاديًا بعد السبعين بوقت طويل.

 

ولم يعد السؤال متى سيتقاعدون، بل لماذا لا يميلون إلى فعل ذلك جسديًا ونفسيًا، وغالبًا لن تتعلق الإجابة بالمال وحده، فبالنسبة لكثير من المليارديرات بعد السبعين، يصبح العمل هوية، وتصبح المنافسة بمثابة الأكسجين، ويغدو التقاعد أشبه بفقدان المكانة لا اكتساب الحرية.

 

عمل الأثرياء هوية وغاية

 

بالنسبة لمعظم الناس، العمل وسيلة لتحقيق الأمان المالي، أما بالنسبة للمليارديرات، خصوصًا العصاميين منهم، فيتحول العمل غالبًا إلى جزء لا ينفصل عن الهوية الشخصية.

 

فبعد عقود من بناء الشركات، وتجاوز الأزمات، والسيطرة على الصناعات، قد يبدو التقاعد وكأنه تخلٍّ عن الذات نفسها.

 

يجسد “وارن بافيت” هذه الظاهرة بوضوح، فحتى بعد إعلانه الانتقال من منصب الرئيس التنفيذي لشركة بيركشاير هاثاواي في عام 2025، بعد ستة عقود من القيادة، استمر بافيت رئيسًا لمجلس الإدارة حتى عام 2026.

 

وقد تجاوزت القيمة السوقية لبيركشاير حاجز التريليون دولار أمريكي خلال سنواته الأخيرة في القيادة، بينما قدرت فوربس صافي ثروته بنحو 149 مليار دولار في عام 2026 وهو في سن الخامسة والتسعين.

 

 

هذا النمط لا يقتصر على “بافيت”، فـ”مايكل بلومبرج”، البالغ من العمر 84 عامًا، والذي تُقدّر ثروته بحوالي 109 مليارات دولار في 2026، لا يزال يحتفظ بنفوذ قوي عبر بلومبرج إل بي، إلى جانب دوره في العمل الخيري وصناعة الرأي العام.

 

هذه المسيرة توضح أن التقاعد بالنسبة لكثير من المليارديرات لا يعني مغادرة التأثير، بل إعادة تعريفه.

 

هذا الارتباط النفسي تدعمه شخصية لا تكل، وغالبًا ما تفتقر إلى الاهتمام بالترفيه التقليدي، فعلى عكس المهني من الطبقة المتوسطة الذي يعمل ليستمتع بحياته خارج المكتب، غالبًا ما يجد المليارديرات أن عملهم هو حياتهم.

 

وتشير الاتجاهات الإحصائية في عام 2026 إلى أن الرؤساء التنفيذيين للمجموعات الكبرى يعملون بمتوسط 62.5 ساعة في الأسبوع، مقارنة بالمتوسط الوطني البالغ 40 ساعة، هذا النهج في العمل لا يتلاشى مع تقدم العمر؛ بل يترسخ.

 

بالنسبة لهؤلاء العمالقة، يتحول النفوذ والهيبة داخل غرف الاجتماعات مع الوقت إلى حالة يصعب التخلي عنها.

 

وفي عالم يكونون فيه هم صناع القرار النهائيين، فإن احتمال أن يصبح المرء “مواطنًا عاديًا” -حتى لو كان ثريًا جدًا- يمثل تهديدًا وجوديًا. إنهم يخشون “فقدان الأهمية” أكثر مما يخشون إرهاق العمل.

 

يصف علماء النفس هذا أحيانًا بـ”إدمان الإنجاز”، فبعد عقود من الفوز، والابتكار، والتراكم، قد يؤدي التوقف إلى فراغ وجودي.

 

وغالبًا لا يحمي المليارديرات ثرواتهم فحسب، بل يحمون أيضًا شعورهم بالأهمية، إذ يصبح المكتب أو مجلس الإدارة أو طاولة الصفقات مسرحًا تُعاد عليه صياغة قيمتهم باستمرار.

 

الثروة الهائلة وخيار التقاعد

 

يفترض التقاعد التقليدي وجود الندرة: مدخرات محدودة، وصحة متراجعة، وقدرة أقل على الكسب.

 

أما المليارديرات فيعيشون في عالم الوفرة، ثرواتهم قد تكفي لأجيال متعددة، ما يجعل قرار التقاعد أقل ارتباطًا بالمال وأكثر ارتباطًا بالفلسفة.

 

 

ومن بين أبرز الأثرياء فوق السبعين: “لاري إليسون” (81 عامًا)، و”كارلوس سليم” (86 عامًا)، و”أمانسيو أورتيجا” (89 عامًا)، وجميعهم لا يزالون مرتبطين بالتأثير الإستراتيجي أو الاستثمارات أو الملكية.

 

وعندما تصل الثروة إلى هذا الحجم، يتوقف سؤال التقاعد عن كونه: “هل أستطيع تحمل التوقف؟” ويصبح: “لماذا أتوقف وأنا لا أزال قادرًا على تشكيل الصناعات أو السياسة أو التاريخ؟

 

بالنسبة لشخص مثل “كارلوس سليم”، الذي تجاوزت ثروته 125 مليار دولار في 2026 وهو في سن السادسة والثمانين، يرتبط الاستمرار غالبًا بحماية إمبراطوريته الاقتصادية.

 

فالثروات الضخمة غالبًا ما تكون جزءًا من شبكات معقدة من الشركات العائلية، أو الكيانات الاستثمارية، أو الهياكل الرأسمالية التي تتطلب حوكمة مستمرة. هنا قد يبدو التقاعد مخاطرة قد تهدد استقرار منظومات أكبر من الفرد نفسه.

 

كما أن المليارديرات غالبًا ما يعيشون العمل بطريقة مختلفة عن الموظف العادي، فهم لا يديرون الروتين اليومي بقدر ما يركزون على الرؤية، والاستحواذات، والتوجيه الإستراتيجي، وبذلك يصبح “العمل” أقرب إلى الإحساس بالرسالة منه إلى الجهد التقليدي.

 

الإرث أهم من الراحة

 

بالنسبة للمليارديرات بعد السبعين، قد يصبح الزمن نفسه هو المنافس الأكبر. فعندما يتحقق الأمان المالي بالكامل، لم تعد الثروة هي المعيار الأساسي، بل قد يصبح السؤال الأهم: ماذا سيبقى من أثرهم بعد الرحيل، وكيف سيُكتب إرثهم في التاريخ

 

“روبرت مردوخ”، على سبيل المثال، تنحى رسميًا عن رئاسة فوكس ونيوز كورب في 2023، لكن إستراتيجية الخلافة ونفوذ العائلة ظلا عنصرين محوريين حتى بعد التسعين.

 

مأزق الخلافة هو عنصر آخر قد يتسبب في مواصلة الأثرياء لإدارة ثرواتهم حتى لو تخطوا سن الـ70، حيث ينظر المؤسس أو القائد طويل الأمد إلى أي خليفة محتمل كخيار أقل كفاءة.


 

ويقدم “برنارد أرنو”، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة إل في إم إتش، دراسة حالة لهذا الأمر.

 

ففي سن السابعة والسبعين، يشرف “أرنو” على إمبراطورية للسلع الفاخرة وثروة شخصية تبلغ 171 مليار دولار أمريكي.

 

وفي خطوة صدمت عالم الشركات ولكنها لم تفاجئ القريبين منه، قاد “أرنو” مؤخرًا جهودًا لرفع سن التقاعد الإلزامي لمنصبه من 75 إلى 85 عامًا. يضمن هذا التغيير دعمًا لقيادة الشركة لعقد آخر، حتى مع تولي أطفاله الخمسة أدوارًا رئيسية داخل الشركة.

 

حتى في حال تخلي البعض منهم عن منصبه في إدارة أملاكه، فإن فكرة التقاعد الكامل تظل بعيدة، إذ تحول عدد متزايد من المليارديرات إلى العمل الخيري بدلًا من التقاعد التقليدي.

 

فعلى سبيل المثال، ابتعد “بيل جيتس”، الذي يبلغ حاليًا السبعين عامًا، عن الإدارة اليومية لمايكروسوفت منذ سنوات، لكنه صعّد انخراطه العالمي عبر مؤسسة بيل وميليندا جيتس.

 

وهنا يظهر الفارق الأساسي: المليارديرات قد يغادرون ساحة، لكنهم نادرًا ما يغادرون المنافسة نفسها، إنهم فقط يختارون ميدانًا جديدًا.

 

وفي كثير من الحالات، قد يبدو التقاعد تهديدًا مباشرًا للإرث، فالمؤسسون غالبًا ما يخشون أن يؤدي انسحابهم إلى تآكل الثقافة أو الرؤية التي بنوها على مدى عقود؛ فإخفاقات الخلافة قد تشوه السمعة، لذا يصبح البقاء نوعًا من التأمين المعنوي على التاريخ الشخصي.

 

لكن هنا تكمن المفارقة: بينما يفترض أن تمنح الثروة المطلقة الحرية، يبدو أن كثيرًا من المليارديرات يصبحون أسرى الإمبراطوريات التي صنعوها بأيديهم.

 

بالنسبة للمليارديرات بعد السبعين، لا يتأخر التقاعد لأنهم يحتاجون إلى المزيد من المال، بل لأن المال لم يكن يومًا الجائزة النهائية؛ فالعملات الحقيقية بالنسبة لهم هي النفوذ، والغاية، والأهمية، والإرث.

 

فبينما يحلم كثيرون بالتحرر من العمل، يعيد المليارديرات تعريف العمل نفسه باعتباره أداة تأثير؛ فتتحول شركاتهم إلى امتداد لذواتهم، وتصبح ثرواتهم بنية تحتية للسلطة، وتتحول سنواتهم الأخيرة إلى سباق ضد التلاشي لا ضد الإفلاس.

 

في النهاية، كثير من المليارديرات لا يفشلون في التقاعد لأنهم جشعون أو غير قادرين على التوقف، بل لأن الانسحاب قد يبدو بالنسبة لهم وكأنه اختفاء من الساحة التي منحت حياتهم معناها.

 

وبالنسبة لهم، لا يبدو التقاعد وكأنه نهاية طبيعية لمسيرة العمل، بل تحدٍ مختلف لم يعتادوا عليه؛ إذ قضوا حياتهم وهم يتقنون التوسع والمنافسة وصناعة النفوذ، لا الانسحاب من المشهد.

 

المصادر: أرقام- فوربس- بيركشاير هاثاواي- بلومبرج- بيزنس إنسايدر

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً