واشنطن – تتوجس أوروبا من أزمة طاقة حادة خلال فصل الشتاء المقبل بفعل قيود هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرضها على صادرات الديزل وبدفع من تفاقم التوترات الإقليمية في كل من الشرق الأوسط (حرب إيران) وتعطل الإمدادات العالمية عبر مضيقي هرمز وباب المندب وكذلك أزمة الحرب الأوكرانية الروسية التي أثرت من قبل على واردات الأوروبيين من الغاز.
ويسلط التهديد الأميركي الضوء مجددا على حساسية أمن الطاقة الأوروبي، في وقت قفزت فيه أسعار الديزل إلى مستويات قياسية في عدد من الدول الأوروبية، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة.
وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن إن الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لا يزال خيارا مطروحا لاحتواء ارتفاع الأسعار وتخفيف ضغوط الإمدادات، في وقت يناقش فيه الاتحاد مع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية التوقيت المناسب للسحب من المخزونات.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن الضغوط لم تقتصر على أوروبا، إذ وافقت دول مجموعة السبع، اليوم الجمعة، على الإفراج عن نحو 100 مليون برميل من النفط والديزل من الاحتياطيات الطارئة، في مسعى لتهدئة أسعار الوقود ومعالجة اضطرابات الإمدادات العالمية، بينما تعهدت الدول بعدم فرض قيود على صادرات الطاقة فيما بينها.
ويأتي ذلك فيما تشهد أسواق الطاقة اضطرابات حادة بفعل الحرب على إيران وتعطل أو تقييد حركة الملاحة في ممرات استراتيجية، إلى جانب تراجع إمدادات من بعض المنتجين وقيود التصدير التي فرضتها دول أخرى، ما جعل السوق العالمية أكثر حساسية لأي نقص إضافي في المعروض.
ولا تبدو أوروبا بمنأى عن هذه الضغوط، إذ ارتفع متوسط سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي إلى مستويات قياسية، فيما سجلت 12 دولة أعضاء مستويات تاريخية جديدة للأسعار، وفقا للبيانات الأوروبية المتداولة.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد الأوروبي على الديزل في قطاعات النقل والشحن والزراعة والصناعة، ما يجعل استمرار ارتفاع أسعاره عاملا ضاغطا على تكاليف الإنتاج والنقل والأسعار الاستهلاكية.
وتزداد حساسية السوق الأوروبية مع اعتمادها المتنامي على الواردات الأميركية من الديزل، بعدما تراجعت إمدادات مصادر أخرى، ولا سيما من الشرق الأوسط، بفعل الحرب واضطراب حركة الملاحة. وكانت الولايات المتحدة أكبر مصدر منفرد للنفط والمنتجات النفطية إلى الاتحاد الأوروبي في 2024، بحصة بلغت 16 بالمئة من الواردات الأوروبية خارج الاتحاد.
وبالتالي، فإن أي قيود أميركية محتملة على صادرات الديزل ستدفع أوروبا إلى البحث عن شحنات بديلة في سوق عالمية تعاني أصلا من ضيق المعروض، وهو ما قد يرفع الأسعار ويزيد المنافسة على الإمدادات، حتى مع اللجوء إلى الاحتياطيات الاستراتيجية.
وتعكس المخزونات الأوروبية حجم التحدي، إذ توفر الاحتياطيات هامشا للتعامل مع اضطرابات الإمدادات، لكنها في الوقت نفسه ليست مصدرا دائما يمكن الاعتماد عليه لفترة طويلة، ما يجعل صانعي القرار أمام معادلة صعبة بين تهدئة الأسعار حاليا والحفاظ على مخزون كاف لمواجهة اضطرابات جديدة خلال الشتاء.
ولا تقتصر الضغوط على الوقود السائل، بل تمتد إلى الغاز الطبيعي، الذي يمثل نحو 24 بالمئة من واردات الطاقة الأوروبية. ومع تراجع إمدادات الغاز الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، أعادت أوروبا تشكيل خريطة وارداتها وزادت اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال والأسواق العالمية، ما جعل الأسعار أكثر حساسية للتطورات الجيوسياسية.
وتبرز الولايات المتحدة في هذا المشهد أيضا كمصدر رئيسي للطاقة الأوروبية؛ ففي 2024 جاءت 17 بالمئة من واردات الاتحاد من الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، بينما استحوذت واشنطن على 16 بالمئة من واردات النفط والمنتجات النفطية.
وتحذر تداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة من انعكاسات واسعة على الاقتصاد الأوروبي، إذ لا تقتصر آثارها على فواتير الأسر، وإنما تمتد إلى النقل والصناعة والزراعة والخدمات، بما يرفع تكاليف الإنتاج ويضغط على القدرة التنافسية للشركات.
وتضع هذه التطورات أوروبا أمام معادلة معقدة: فالحرب والتوترات الإقليمية تضغط على مصادر الإمداد وطرق النقل، فيما يضيف الاعتماد على الواردات الخارجية حساسية أكبر لأي اضطراب في السوق العالمية، بينما يهدد أي تقييد أميركي لصادرات الديزل بتضييق هامش المناورة أمام الاقتصادات الأوروبية.
ويعيد ذلك أزمة الطاقة الأوروبية إلى صدارة المخاوف مع اقتراب الشتاء، في وقت تحاول فيه بروكسل الموازنة بين استخدام الاحتياطيات لتخفيف الصدمة الآنية والحفاظ على مخزونات كافية لمواجهة أي اضطرابات جديدة، بالتوازي مع مساعيها طويلة الأمد لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز مصادر الطاقة المحلية.

التعليقات