التخطي إلى المحتوى

أبوظبي – أظهرت دراسة علمية حديثة أن دواء “ميبيندازول”، المستخدم لعلاج عدوى الديدان، قد يساعد في الحد من نمو أورام سرطان الرئة المقاومة للعلاج عند دمجه مع دواء مضاد للسرطان، في نتائج أولية تحققت على خلايا بشرية في المختبر وفئران تجارب، من دون أن تثبت فعاليته لدى المرضى.

والثلاثاء نشرت مجلة “ساينس أليرت” تقريراً عن الدراسة فيما نُشرت الورقة العلمية الأصلية في دورية “بلوس وان” في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بمشاركة باحثين من جامعة رأس الخيمة للطب والعلوم الصحية في الإمارات وجامعة برادفورد في المملكة المتحدة ومؤسسات أخرى.

واختبر الباحثون الجمع بين ميبيندازول ودواء “جيفيتينيب”، وهو علاج موجّه يستهدف بروتيناً يسمى EGFR، يشارك في إرسال الإشارات التي تحفز نمو الخلايا. ويُستخدم جيفيتينيب في حالات محددة من سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة المرتبط بطفرات في هذا الجين، لكن بعض الأورام تطور مقاومة له وتواصل النمو رغم العلاج.

وركزت الدراسة على نموذج من سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة اكتسب مقاومة لجيفيتينيب. ويستند النهج البحثي إلى فرضية أن الخلايا السرطانية المقاومة قد تصبح أكثر اعتماداً على آليات خلوية معينة للبقاء، بما يتيح استهداف نقاط ضعف لا تظهر بالوضوح نفسه في الخلايا الحساسة للعلاج.

ويؤثر ميبيندازول في الأنابيب الدقيقة داخل الخلايا، وهي تراكيب تسهم في تنظيم الانقسام الخلوي ونقل المواد. وافترض الباحثون أن الجمع بين هذا التأثير وتثبيط إشارات EGFR قد يزيد الضغط على الخلايا السرطانية، خصوصاً عبر إحداث اضطرابات مرتبطة بنسخ الحمض النووي وإصلاح الأضرار التي تصيبه.

وفي التجارب المخبرية، عرّض الباحثون خلايا بشرية سرطانية مقاومة للعلاج، عُرفت بالنموذج HCC827 GR5، للأدوية لمدة 72 ساعة.

وأظهرت النتائج أن حيوية الخلايا بقيت عند نحو 92.7 في المئة من مستوى المجموعة غير المعالجة عند استخدام جيفيتينيب وحده، مقابل نحو 37.7 في المئة عند الجمع بينه وبين تركيز منخفض من ميبيندازول. أما ميبيندازول بتركيز أعلى، فانخفضت معه حيوية الخلايا إلى نحو 29.7 في المئة.

ورصد الفريق كذلك مؤشرات على تلف الحمض النووي، شملت كسوراً في أحد شريطيه أو كليهما وارتفاع مؤشر خلوي مرتبط بالاستجابة لهذا التلف. وتدعم النتائج فرضية أن الجمع بين الدواءين يزيد الضغط على الخلايا المقاومة، لكنها لا تحسم وحدها الآلية الجزيئية المسؤولة عن التأثير.

وانتقل الباحثون بعد ذلك إلى تجارب على فئران حُقنت تحت الجلد بخلايا سرطان الرئة البشرية المقاومة للعلاج. وفي تجربة استمرت 40 يوماً، ضمت كل مجموعة ثمانية فئران، ارتفعت المدة الوسيطة اللازمة لتضاعف حجم الورم من 6.2 أيام لدى الحيوانات غير المعالجة إلى 25 يوماً لدى المجموعة التي تلقت الدواءين معاً، مقابل 15.5 يوماً مع جيفيتينيب وحده و10.3 أيام مع ميبيندازول وحده.

وأظهرت تجربة أخرى امتدت 11 يوما، واستخدمت جرعتين مختلفتين من ميبيندازول، تثبيطاً أكبر لنمو الأورام عند الجمع بين الدواءين مقارنة باستخدام كل منهما منفرداً. وتابع الباحثون وزن الحيوانات لتقييم تحمل العلاج، ولم يرصدوا انخفاضاً مستمراً فيه، غير أن هذا المؤشر لا يكفي لإثبات سلامة المزيج الدوائي لدى البشر أو على المدى الطويل. كما أن العلاج أبطأ نمو الأورام في هذه النماذج، ولم يؤد إلى اختفائها.

وتتمثل أهمية البحث في استكشاف إمكانية إعادة توظيف دواء قديم ورخيص نسبياً لاستهداف مقاومة العلاج، بدلاً من تطوير مركب جديد بالكامل. غير أن الانتقال من النتائج المخبرية إلى علاج قابل للاستخدام لدى المرضى يتطلب اختبارات إضافية لتحديد الجرعات المناسبة، وقياس قدرة الدواء على الوصول إلى تركيز فعال داخل الأورام، وتقييم المخاطر الناجمة عن الجمع بين العقارين.

ولا تمثل الدراسة تجربة سريرية على مرضى سرطان الرئة، ولم تثبت أن هذا المزيج يحسن الاستجابة للعلاج أو يطيل البقاء لدى البشر. كما أن نموذج الخلايا المستخدم لا يمثل جميع الآليات التي يطور بها سرطان الرئة مقاومته للأدوية، ما يستدعي اختبار النتائج على نماذج أخرى، بما فيها أورام مشتقة من مرضى.

وسبق أن خضع ميبيندازول لأبحاث سريرية في أنواع أخرى من السرطان. ففي دراسة من المرحلة الثانية «2a» نُشرت عام 2021، اختُبر الدواء لدى مرضى يعانون سرطانات متقدمة في الجهاز الهضمي. وشملت الدراسة 11 مريضاً، بدأ عشرة منهم العلاج، لكن جميعهم أوقفوه بسبب تقدم المرض، قبل تقييم الورم أو بعده في الأسبوع الثامن. ولم يصل سوى خمسة مرضى إلى التركيز المستهدف للدواء في الدم، ما يبرز تحديات تتعلق بامتصاصه وإمكان إيصال جرعات فعالة منه.

ويعتزم الباحثون توسيع الاختبارات لفهم آلية التأثير بصورة أدق، ودراسة ما إذا كان المزيج قد يفيد في مواجهة مقاومة علاجات أحدث، بينها «أوسيميرتينيب»، المستخدم في حالات محددة من سرطان الرئة المرتبط بطفرات EGFR. لكن ذلك يظل احتمالاً بحثياً يحتاج إلى اختبارات مباشرة، وليس نتيجة أثبتتها الدراسة الحالية.

وتخلص الدراسة إلى أن الجمع بين ميبيندازول وجيفيتينيب يستحق مزيداً من البحث بوصفه نهجاً محتملاً لمواجهة مقاومة العلاج، مع بقاء فعاليته وسلامته لدى البشر غير مثبتتين.

التعليقات

اترك تعليقاً