بغداد ـ أكد الفنان العراقي إلهام المدفعي، الأربعاء، أن الحفاظ على هوية الأغنية العراقية وأصالتها يتطلب الصدق في تقديم العمل الفني، والحرص على نقل التراث الموسيقي إلى الأجيال الجديدة بأسلوب يجمع بين المحافظة على جذوره والتعبير عن واقع الحياة المعاصرة، بما يضمن استمرار حضوره في المشهد الموسيقي.
وقال المدفعي، لوكالة الأنباء العراقية (واع)، إن “العملية تحتاج إلى صدق كبير، وأن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه أولاً، ومع الجمهور وكل شخص يساعده في عمله الفني”، مشدداً على أهمية تقديم الفن بصورة حقيقية تعكس واقع المجتمع وحضارته. وأوضح أن مسؤولية الفنان لا تقتصر على أداء الأغنية، بل تشمل أيضاً احترام مضمونها وهويتها الثقافية، وتقديمها للجمهور بما يحفظ قيمتها ويصون ارتباطها بالذاكرة العراقية.
وأضاف، أن من واجب الفنان نقل الإرث الموسيقي القديم بطريقة صحيحة وأصيلة، وربطه بواقع اليوم، بما يسهم في الحفاظ على هوية الأغنية العراقية واستمرار حضورها لدى الأجيال الجديدة. ويعكس هذا التوجه أهمية التعامل مع التراث بوصفه مادة فنية حية قابلة للتجدد، لا مجرد أعمال تُستعاد بصيغتها القديمة، إذ يمكن إعادة تقديمها بما يلائم الأذواق المعاصرة من دون التفريط في ملامحها الأساسية.
ويُعد إلهام المدفعي من الفنانين العراقيين الذين ارتبطت تجربتهم بتقديم الأغنية التراثية ضمن صياغة موسيقية حديثة، إذ اشتهر بأسلوب يمزج بين الغناء الفلكلوري العراقي وعزف الغيتار الغربي، مع الاستفادة من الإيقاعات والآلات الموسيقية المختلفة. وقد أسهم هذا المزج في تقديم لون فني مميز، منح عدداً من الأغنيات العراقية القديمة حضوراً متجدداً لدى جمهور واسع داخل العراق وخارجه.
وبدأ المدفعي اهتمامه بآلة الغيتار في سن مبكرة، ثم أسس فرقة ‘الأعاصير’ عام 1961، في تجربة ارتبطت بمحاولات إدخال الآلات والإيقاعات الحديثة إلى الموسيقى العراقية. ومع تطور مسيرته، اتجه إلى إعادة توزيع الأغنيات الشعبية والتراثية، مستفيداً من إمكانات الغيتار والآلات الغربية، مع الحفاظ على روح الألحان العراقية وخصوصية مقاماتها. <
ولم يكن هذا التوجه مجرد تغيير في التوزيع الموسيقي، بل مثّل محاولة لتقديم الأغنية العراقية إلى مستمعين من خلفيات ثقافية مختلفة، من دون فصلها عن بيئتها الأصلية.
وقد أتاح الجمع بين الألحان الشرقية والآلات الغربية مساحة لتجديد طريقة الاستماع إلى الأغنيات التراثية، مع الاحتفاظ بما تحمله من مشاعر وذكريات وصور مرتبطة بالحياة العراقية.
وتبرز في تجربة المدفعي أهمية التوازن بين التجديد والمحافظة على الهوية؛ فالتحديث، وفق هذا المسار الفني، لا يعني التخلي عن الأصول أو تغيير جوهر الأغنية، بل استخدام أدوات موسيقية معاصرة لإبراز عناصرها الجمالية وإيصالها إلى جمهور جديد.
وهو ما يجعل قضية الحفاظ على التراث، التي شدد عليها في تصريحاته، امتداداً لمسار فني عمل من خلاله على إعادة تقديم الأغنية العراقية بصيغ مختلفة.
ويكتسب نقل التراث الموسيقي إلى الأجيال الجديدة أهمية خاصة في ظل التغيرات التي يشهدها المشهد الغنائي، وتنوع أنماط الاستماع وانتشار المنصات الرقمية، فالحفاظ على الأغنية العراقية لا يتحقق بمجرد إعادة بث الأعمال القديمة، بل يحتاج إلى تعريف المستمعين الشباب بقيمتها الفنية والتاريخية، وتقديمها بأساليب قادرة على جذب اهتمامهم من دون طمس ملامحها الأصيلة.
كما أن ارتباط الأغنية بلهجة المجتمع وذاكرته وتجاربه اليومية يمنحها دورا يتجاوز الترفيه، لتصبح وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية ونقل ملامح الحياة من جيل إلى آخر.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الفنانين في التعامل مع الموروث الموسيقي باعتباره جزءاً من تاريخ المجتمع، مع مراعاة الدقة في أدائه واحترام خصائصه عند إعادة توزيعه أو تقديمه في قوالب جديدة.
وتعكس تصريحات المدفعي تمسكه بفكرة أن الصدق الفني يشكل أساس العلاقة بين الفنان وجمهوره، وأن التجديد يكتسب قيمته عندما ينطلق من فهم التراث واحترامه، لا من الابتعاد عنه. وتبقى تجربته في المزج بين الأغنية العراقية التقليدية والموسيقى الحديثة نموذجاً لمسار يسعى إلى إبقاء هذا الإرث حاضراً في الوجدان، ومنحه فرصاً جديدة للوصول إلى الأجيال المقبلة.

التعليقات