التخطي إلى المحتوى

كيف واصلت الصين الهيمنة التجارية رغم الرسوم؟

في عالمٍ يفترض أن الحروب التجارية تُطفئ محركات التصدير، تبدو الصين وكأنها تعيد كتابة القواعد من جديد. فبينما كانت التوقعات تشير إلى تباطؤ حاد في تجارتها الخارجية تحت وطأة الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية، جاءت الأرقام لتروي قصة مختلفة تماماً: آلة تصدير لا تتباطأ، بل تعيد تشكيل نفسها، وتبحث عن مسارات وأسواق وفرص جديدة.

 

في قلب هذا التحول، يقف مديرو مشتريات مثل دينغ لي، العامل في شركة لتجارة الرقائق في شنتشن، ممن يعيشون عاماً استثنائياً.

 

شركته، التي تبيع أشباه الموصلات، بما في ذلك ترانزستورات تنظيم الطاقة (IGBTs)، وسّعت حضورها ليشمل شركات تصنيع دراجات نارية في إسبانيا ومصانع في رومانيا وعملاء في جنوب شرق آسيا.

 

 

صادرات الترانزستور

 

تعكس هذه الصورة المصغّرة واقعاً أوسع: صادرات الصين من الترانزستورات وحدها قفزت بنسبة 26% في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في إشارة واضحة إلى استمرار الزخم.

 

قبل عام فقط، بدا المشهد مختلفاً تماماً. فقد أدت سياسات الرسوم الجمركية التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي وصلت في بعض الفترات إلى 145% على السلع الصينية، إلى توقعات واسعة بانكماش التجارة الصينية.

 

ورغم أن هذه الرسوم انخفضت لاحقاً إلى 10% بعد حكم قضائي، فإن كثيرين اعتقدوا أن الضرر قد وقع بالفعل.

 

غير أن الواقع خالف تلك التوقعات: الصين أنهت عام 2025 بفائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، وارتفعت صادراتها إلى 3.8 تريليون دولار.

 

ومع بداية عام 2026، واصلت الصادرات نموها، مسجلة زيادة بنسبة 14.7% في الربع الأول مقارنة بالعام السابق.

 

أداء لافت

 

لفهم هذا الأداء اللافت، أظهرت تحليلات دقيقة لبيانات التجارة العالمية أن التحول في بنية الصادرات الصينية بدأ قبل اندلاع الحرب التجارية بسنوات. فقد تراجعت أهمية السوق الأمريكية تدريجياً، إذ انخفضت حصتها من الصادرات الصينية من 17% في عام 2014 إلى 14.7% بعد عقد.

 

في المقابل، اتجهت الصين إلى ترقية نوعية صادراتها، متقدمة نحو سلع أكثر تعقيداً وقيمة مضافة أعلى.

 

ورغم أن الصين لا تزال لاعباً رئيسياً في صادرات الملابس والأحذية، فإن هيمنتها في هذه القطاعات بدأت تتراجع. بالمقابل، عززت حضورها في صناعات متقدمة مثل السيارات، حيث ارتفعت حصتها من الصادرات العالمية من 4.5% إلى 11.4% بين عامي 2014 و2024.

 

كما واصلت توسيع تفوقها في قطاع الإلكترونيات، لترتفع حصتها من 20.7% إلى 26.1% خلال الفترة نفسها.

 

تعكس هذه التحولات ارتفاع مستوى “تعقيد” الصادرات الصينية، وفق مقاييس أكاديمية تقيس مدى صعوبة إنتاج السلع. فقد ارتفع هذا المؤشر من 0.29 إلى 0.36 خلال عقد، في حين شهدت الولايات المتحدة تراجعاً في المؤشر نفسه.

 

هذه الأرقام تعكس انتقال الصين من مصنع للسلع البسيطة إلى منتج متقدم يزاحم في القطاعات التقنية.

 

 

التوترات التجارية

 

ومع تصاعد التوترات التجارية، انخفضت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة بأكثر من 100 مليار دولار في عام 2025، أي بنحو 20% مقارنة بالعام السابق. لكن هذا التراجع عُوّض بأكثر من الضعف، إذ ارتفعت صادراتها إلى بقية دول العالم بنحو 300 مليار دولار.

 

اللافت أن العديد من الدول التي زادت وارداتها من الصين، مثل فيتنام، عززت أيضاً صادراتها إلى الولايات المتحدة، ما يعكس إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

 

يثير هذا النمط تساؤلات حول ما إذا كانت الصادرات الصينية تصل إلى السوق الأمريكية عبر طرق غير مباشرة، من خلال دول وسيطة.

 

تشير التقديرات إلى أن نحو 33 مليار دولار من الصادرات الصينية ربما دخلت الولايات المتحدة عبر دول ثالثة خلال جزء من عام 2025، وهو ما يمثل نحو 11% فقط من الزيادة في صادرات الصين إلى بقية العالم.

هذا يعني أن الجزء الأكبر من النمو لم يكن مجرد إعادة توجيه، بل نتيجة طلب حقيقي من أسواق جديدة.

 

مَصنع العالم

 

أحد أبرز التفسيرات لهذا الأداء هو تحول الصين من “مصنع العالم” إلى “مصنع المصانع”. فالصادرات لم تعد تتركز على السلع الاستهلاكية النهائية، بل أصبحت تشمل بشكل متزايد السلع الوسيطة والرأسمالية، مثل المكونات الإلكترونية والآلات الصناعية.

 

في عام 2025، نمت صادرات هذه الفئات بنسبة 10.2%، مقارنة بنمو إجمالي الصادرات البالغ 5.5%، بينما تراجعت صادرات السلع الاستهلاكية بنسبة 4.6%.

 

هذا التحول يعني أن الصين أصبحت جزءاً أساسياً من سلاسل الإنتاج العالمية، حيث تزوّد دولاً مثل فيتنام والهند وتايلاند بمكونات تدخل في تصنيع منتجات تُعاد تصديرها لاحقاً.

 

بعبارة أخرى، لم تعد الصين مجرد مصدر للسلع النهائية، بل أصبحت مورداً حيوياً للمواد الأساسية التي تقوم عليها الصناعات في دول أخرى.

 

 

طفرة الذكاء الاصطناعي

 

في عام 2026، أضافت طفرة الذكاء الاصطناعي دفعة قوية جديدة للصادرات الصينية. فقد ارتفعت صادرات رقائق الذاكرة بشكل حاد، لتصل إلى 46 مليار دولار في الربع الأول، بزيادة سنوية بلغت 174%.

 

ويعكس هذا النمو الطلب العالمي المتزايد على مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تعتمد بشكل كبير على المكونات الإلكترونية التي تنتجها الصين بكميات ضخمة.

 

ولا يقتصر التأثير على الرقائق فقط، بل يمتد إلى قطاعات مثل توليد الطاقة، المرتبطة بتوسع مراكز البيانات.

 

هذا يفتح مجالات جديدة أمام الصادرات الصينية، خصوصاً في ظل قدرتها على إنتاج مكونات الطاقة بكفاءة وتكلفة منخفضة.

 

تظل القدرة التنافسية السعرية أحد أهم عوامل قوة الصادرات الصينية. فبالرغم من ارتفاع قيمة اليوان بنحو 6% مقابل الدولار خلال العام الماضي، فإن العملة الصينية لا تزال منخفضة القيمة عند احتسابها وفق التضخم والتجارة.

 

كما أن انخفاض أسعار الإنتاج الصناعي لفترة طويلة ساهم في تعزيز القدرة التنافسية، إذ تراجعت الأسعار لمدة 41 شهراً متتالياً قبل أن تستقر مؤخراً.

 

الانكماش السعري

 

هذا “الانكماش السعري” منح الشركات الصينية ميزة واضحة في الأسواق العالمية، حيث تستطيع تقديم منتجات بأسعار أقل من المنافسين. ويرى بعض المحللين أن هذه الميزة تشكل جوهر الطفرة التصديرية الحالية.

 

ورغم هذا الأداء القوي، تواجه الصين تحديات متزايدة. فقد بدأت بعض الدول المستوردة تُبدي تحفظاً على استمرار تدفق السلع الصينية بكثافة.

 

في الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، ارتفع الفائض التجاري لصالح الصين إلى 291 مليار دولار في عام 2025، بزيادة كبيرة مقارنة بعام 2020.

 

وقد فرض الاتحاد بالفعل رسوماً على السيارات الكهربائية الصينية، بينما اتخذت بعض دول جنوب شرق آسيا إجراءات مماثلة على منتجات مثل الصلب.

 

التوترات الجيوسياسية

 

كما تلقي التوترات الجيوسياسية بظلالها على التجارة. فقد أدى الصراع في إيران إلى تراجع صادرات الصين إلى دول الخليج بنسبة 52% في مارس على أساس سنوي، رغم أن هذه المنطقة تمثل حصة محدودة من صادراتها. كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يضعف الطلب العالمي، ويؤثر سلباً على التجارة الدولية.

 

مع ذلك، تبدو الصين في وضع أفضل من منافسيها في مواجهة هذه التحديات. فهي تعتمد بشكل كبير على الفحم المحلي في توليد الطاقة، ما يقلل من تأثير تقلبات أسعار الطاقة العالمية على تكاليف الإنتاج.

 

كما أن التحولات العالمية، مثل زيادة الطلب على السيارات الكهربائية، قد تصب في صالح الشركات الصينية التي تمتلك حصة كبيرة في هذا القطاع.

 

لكن ربما يكون العامل الأكثر عمقاً واستمرارية وراء قوة الصادرات الصينية هو ضعف الطلب المحلي. فقلة الاستهلاك الداخلي تدفع الشركات إلى البحث عن أسواق خارجية لتصريف منتجاتها، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وزيادة القدرة التنافسية في الخارج. في الوقت نفسه، يؤدي ضعف الطلب المحلي إلى تراجع الواردات، ما يساهم في تضخم الفائض التجاري.

 

 

التوازن غير المتكافئ

 

هذا التوازن غير المتكافئ في الاقتصاد الصيني قد يساعد البلاد على تحقيق أهداف النمو لعام 2026، التي تتراوح بين 4.5% و5%. ففي عام 2025، ساهم صافي الصادرات بنحو 1.6 نقطة مئوية من إجمالي النمو البالغ 5%. ومع استمرار هذا الاتجاه، قد تعتمد الصين بشكل متزايد على التجارة الخارجية كمحرك للنمو.

 

غير أن هذا الاعتماد يحمل في طياته مخاطر. فإذا استمرت الصادرات في لعب هذا الدور الكبير، قد لا تجد الحكومة حاجة ملحة لتعزيز الطلب المحلي من خلال سياسات تحفيزية. وهذا قد يؤدي إلى استمرار الاختلالات الاقتصادية، ويجعل النمو معتمداً بشكل مفرط على عوامل خارجية قد لا تكون مستقرة دائماً.

 

ومن ثم، تبدو قصة الصادرات الصينية اليوم أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام. فهي ليست مجرد نتيجة لانخفاض التكاليف أو التحايل على الرسوم الجمركية، بل تعكس تحولاً هيكلياً عميقاً في الاقتصاد الصيني ودوره في النظام التجاري العالمي. وبينما تستمر التحديات، يبدو أن هذه الآلة التصديرية قد وجدت طرقاً جديدة للاستمرار، وربما للتوسع أيضاً.

 

المصدر: “ذي إيكونوميست”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً