السرطان الذي يمكن تجنبه .. كم يدفع العالم ثمنًا للتأخر في الوقاية؟
تخيل أن يتكبد الاقتصاد العالمي فاتورة تتجاوز 25 تريليون دولار أمريكي بسبب مرض واحد لا تقتصر كلفته على الأدوية والمستشفيات، بل تمتد إلى خسائر في الإنتاج، فضلًا عن الأعباء المالية التي تتحملها الأسر والحكومات.

هذه الفاتورة الضخمة تعكس عبء مرض السرطان على الاقتصاد العالمي خلال ثلاثة عقود، وفق دراسة علمية نشرتها مجلة جاما أونكولوجي، التي قدرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن المرض بنحو 25.2 تريليون دولار خلال الفترة من 2020 إلى 2050.
لكن المفارقة أن جزءًا من هذه الخسائر يرتبط بحالات سرطان كان يمكن الوقاية منها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى الاستثمار المبكر في الوقاية بدلًا من تحمل التكاليف الصحية والاقتصادية للمرض.
فقد كشفت دراسة حديثة للوكالة الدولية لأبحاث السرطان، نُشرت في سبتمبر 2026، أن نحو 2.3 مليون إصابة جديدة بالسرطان خلال عام 2024 ارتبطت بعدوى فيروسية أو بكتيرية أو طفيلية، بما يعادل 12% من الحالات المسجلة عالميًا.
فاتورة تتجاوز تكاليف العلاج
لا يتوقف العبء الاقتصادي للسرطان عند الإنفاق على الجراحات والعلاج الكيميائي والإشعاعي، إذ يمتد إلى انخفاض الإنتاجية الناتج عن المرض والوفاة المبكرة، فضلًا عن اضطرار بعض المرضى إلى ترك وظائفهم وتحمل أفراد أسرهم مسؤولية رعايتهم.
ولهذا استخدمت دراسة جاما أونكولوجي، المنشورة عام 2023، نموذجًا اقتصاديًا يقيس تأثير الإصابة والوفاة على قوة العمل والاستثمار والنمو، بدلًا من الاكتفاء بجمع الفواتير الطبية، وقدرت الخسائر المتراكمة بنحو 0.55% من الناتج الاقتصادي العالمي سنويًا.
وتشير الدراسة إلى أن الصين قد تتحمل خسائر اقتصادية تراكمية تبلغ 6.1 تريليون دولار أمريكي، تليها الولايات المتحدة بنحو 5.3 تريليون، ثم الهند بنحو 1.4 تريليون، مع تفاوت الأعباء الاقتصادية بين الدول تبعًا لحجم اقتصاداتها ومستويات الدخل فيها.

ورغم وقوع نحو 75% من وفيات السرطان في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وفق بيانات الدراسة، فإن هذه البلدان تتحمل نحو نصف العبء الاقتصادي المقدّر، وهو تفاوت يعكس اختلاف قيمة الإنتاج المفقود وتكاليف الرعاية الصحية بين الدول.
ويمكن رؤية هذه الفاتورة بصورة أكثر مباشرة في أوروبا، إذ أشارت دراسة إلى أن التكلفة الاقتصادية للسرطان بلغت نحو 294 مليار دولار في عام 2018، توزعت بين الإنفاق الصحي وخسائر الإنتاج وكلفة الرعاية غير المدفوعة التي يقدمها الأقارب للمرضى.
ملايين الإصابات تبدأ بعدوى يمكن مواجهتها
رغم صعوبة التحكم في بعض مسببات السرطان، فإن هناك أنواعًا من المرض ترتبط بعدوى يمكن الوقاية منها بالتطعيم أو علاجها قبل أن تؤدي إلى الإصابة بالسرطان.
وبحسب الدراسة التي نشرتها مجلة ذا لانسيت أونكولوجي في سبتمبر 2026، ارتبطت بكتيريا جرثومة المعدة بنحو 760 ألف إصابة بالسرطان عالميًا في عام 2024، بينما ارتبط فيروس الورم الحليمي البشري بنحو 750 ألف إصابة.
وجاء في المرتبة التالية فيروس التهاب الكبد (بي) بنحو 360 ألفًا، وفيروس إبشتاين بار بنحو 260 ألفًا، ثم التهاب الكبد (سي) بنحو 160 ألفًا.
وترتبط جرثومة المعدة ببعض سرطانات المعدة، بينما يتسبب فيروس الورم الحليمي البشري في معظم حالات سرطان عنق الرحم وبعض سرطانات الحلق والأعضاء التناسلية، في حين ترتبط التهابات الكبد الفيروسية المزمنة بسرطان الكبد.

ولا يعني ذلك أن كل شخص يصاب بهذه العدوى سيصاب بالسرطان، أو أن جميع الحالات قابلة للمنع، لكن وجود مسببات معروفة يتيح التدخل بالتطعيم أو الفحوص أو العلاج وفق الإرشادات الطبية.
|
أبرز أنواع العدوى المسببة للسرطان عالميًا (بالاستناد إلى تقديرات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان لعام 2024):
|
||
|
العامل المسبب للعدوى
|
عدد الإصابات السرطانية المرتبطة به
|
أبرز وسائل الوقاية
|
|
جرثومة المعدة
|
760 ألفًا
|
الكشف والعلاج بالمضادات الحيوية
|
|
فيروس الورم الحليمي البشري
|
750 ألفًا
|
التطعيم والفحص للكشف عن التغيرات السابقة للسرطان
|
|
فيروس التهاب الكبد (بي)
|
360 ألفًا
|
التطعيم ومنع انتقال العدوى والفحص والعلاج
|
|
فيروس إبشتاين بار
|
260 ألفًا
|
لا يوجد لقاح معتمد، وتستمر الأبحاث لتطوير وسائل الوقاية
|
|
فيروس التهاب الكبد (سي)
|
160 ألفًا
|
الفحص والعلاج بمضادات الفيروسات وتجنب انتقال العدوى
|
وتوضح دراسة أصدرتها منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان أن نحو 7.1 مليون إصابة جديدة بالسرطان في عام 2022، تعادل 37% من إجمالي الحالات، ارتبطت بعوامل خطر يمكن الوقاية منها، وفي مقدمتها التدخين والعدوى واستهلاك الكحول.
وهذه النسبة الأوسع لا تخص العدوى وحدها، وإنما تشمل عوامل سلوكية وبيئية ومهنية مختلفة، ما يوسع نطاق الفوائد الصحية والاقتصادية المحتملة لسياسات الوقاية.
الوقاية أم العلاج.. أيهما أقل تكلفة؟
تظهر الفجوة الاقتصادية بوضوح عند مقارنة تكلفة اللقاحات بالإنفاق المطلوب لعلاج الأورام.
ففي ديسمبر 2025 أعلنت مؤسسة جافي الدولية للقاحات أن سعر جرعة لقاح فيروس الورم الحليمي البشري في الدول التي تدعمها تراوح بين 2.90 و5.18 دولار، مقارنة بأسعار قد تتجاوز 100 دولار للجرعة في أسواق أخرى.

ولا تمثل هذه الأسعار التكلفة الكاملة لبرامج التطعيم، التي تشمل التوزيع والعاملين والتوعية، لكنها توضح أثر الشراء الجماعي والتفاوض مع المصنعين في جعل الوقاية أكثر إتاحة للدول محدودة الموارد.
وقدرت منظمة الصحة العالمية أن كل دولار يُستثمر في برامج القضاء على سرطان عنق الرحم يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا يبلغ 3.20 دولار، ويرتفع العائد المجتمعي إلى 26 دولارًا مقابل كل دور مستثمر في الوقاية عند احتساب الفوائد الصحية والاجتماعية الأوسع.
ولهذا لا تقتصر استراتيجية منظمة الصحة العالمية للقضاء على سرطان عنق الرحم على التطعيم.
وتستهدف المنظمة بحلول 2030 تطعيم 90% من الفتيات قبل 15 سنة، وفحص 70% من النساء في الأعمار المستهدفة، وضمان علاج 90% من الحالات التي تُكتشف فيها تغيرات سابقة للسرطان أو إصابات سرطانية.
تجارب أثبتت جدوى الاستثمار المبكر
تقدم أستراليا نموذجًا مهمًا لنتائج الاستثمار المبكر في الوقاية، بعدما أطلقت برنامجًا وطنيًا للتطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري عام 2007، إلى جانب تطوير برامج الفحص لتشمل الكشف عن الفيروس نفسه.

وبحسب المعهد الأسترالي للصحة والرعاية الاجتماعية، انخفض معدل الإصابة بسرطان عنق الرحم المعدل حسب العمر من 15.5 حالة لكل 100 ألف امرأة في عام 1982 إلى نحو 6.7 حالة متوقعة في 2025.
ومن بين العوامل التي ساعدت على تراجع المرض على المدى الطويل برامج الفحص السابقة.
وفي أسكتلندا، كشفت هيئة الصحة العامة عام 2024 أن الباحثين لم يرصدوا أي إصابات بسرطان عنق الرحم بين النساء اللاتي تلقين التطعيم الكامل في عمر 12 إلى 13 عامًا ضمن الفئات التي شملتها الدراسة، وهو دليل على فاعلية البرنامج.
أما في الدول الأقل دخلًا، فتوضح تجربة جافي حجم التوسع الممكن، إذ أظهر تقريرها الصادر في أكتوبر 2026 أن برامجها ساعدت على حماية أكثر من 95 مليون فتاة حتى نهاية 2025.
ورغم هذا التقدم، تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية أن التغطية العالمية بالجرعة الأولى من لقاح فيروس الورم الحليمي البشري بين الفتيات عند بلوغ الخامسة عشرة بلغت 26% فقط في 2025، ما يكشف حجم الفجوة التي تفصل العالم عن تحقيق أهداف الوقاية.
وبينما يسعى العالم لتطوير علاجات أكثر تقدمًا، يظل أمام العالم اختبار مختلف، وهو مدى استعداده لتمويل مسارات قد لا تظهر نتائجها كاملة إلا بعد سنوات، لكنها تستطيع حماية أجيال مقبلة من المرض، وتجنب الاقتصاد خسائر كان يمكن منع حدوثها قبل أن تبدأ.
المصادر: أرقام- مجلة جاما أونكولوجي- مجلة ذا لانسيت أونكولوجي- الوكالة الدولية لأبحاث السرطان- منظمة الصحة العالمية- مؤسسة جافي- المعهد الأسترالي للصحة والرعاية الاجتماعية- هيئة الصحة العامة في أسكتلندا
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات