التخطي إلى المحتوى

بغداد – تواجه المالية العامة في العراق ضغوطا متزايدة مع تقديرات تشير إلى احتمال بلوغ عجز موازنة عام 2027 نحو 50 تريليون دينار (حوالي38.17 مليار دولار أميركي)، ما يثير مخاوف بشأن قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات الرعاية الاجتماعية، فضلا عن انعكاسات الأزمة على القوة الشرائية للمواطنين وفرص العمل والنشاط الاقتصادي.

ونقلته وكالة “شفق نيوز” عن عضو اللجنة المالية النيابية عباس أحيال، أن القيمة الإجمالية لمسودة الموازنة نحو 217 تريليون دينار (الدولار الأميركي=1515 دينار عراقي)، على أساس سعر نفط يبلغ 58 دولارا للبرميل، وصادرات تصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا، وسعر صرف يبلغ 1500 دينار للدولار. لكن هذه الافتراضات تضع المالية العامة أمام مخاطر مرتبطة بتقلبات أسعار النفط وكميات التصدير، خصوصا في ظل الاضطرابات الإقليمية.

وتكشف بيانات وزارة المالية العراقية حجم الضغوط الحالية؛ إذ سجلت الموازنة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 إيرادات بنحو 39.1 تريليون دينار، مقابل نفقات بلغت 65.4 تريليون دينار، بعجز فعلي قدره 26.3 تريليون دينار حتى نهاية يوليو/تموز.

وتعكس هذه الفجوة اعتماد العراق الكبير على النفط، الذي وفر نحو 78 بالمئة من الإيرادات المسجلة خلال الفترة نفسها، مقابل إيرادات غير نفطية بلغت 8.74 تريليون دينار. ويجعل هذا الاعتماد قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام مرتبطة إلى حد كبير باستقرار الصادرات والأسعار العالمية.

تتزايد حساسية الأزمة مع اتساع قاعدة المستفيدين من الإنفاق الحكومي، إذ يحصل نحو 15.05 مليون شخص على دخل مباشر من الخزينة، بينهم 4.55 مليون موظف في القطاع العام، ونحو 2.9 مليون متقاعد، و7.6 مليون مستفيد من برامج الحماية الاجتماعية.

وخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بلغت تعويضات الموظفين والرواتب نحو 35.9 تريليون دينار، فيما وصلت تخصيصات الرعاية الاجتماعية إلى نحو 16 تريليون دينار، إلى جانب 6.24 تريليون دينار لخدمة الدين.

ويضع هذا الحجم من الالتزامات الحكومة أمام خيارات صعبة إذا تراجعت الإيرادات النفطية أو اتسع العجز. فقد تضطر إلى زيادة الاقتراض الداخلي، أو تأجيل مستحقات المقاولين، أو تقليص الإنفاق الاستثماري لتوفير السيولة اللازمة للنفقات الأساسية.

ولا يعني العجز المتوقع بالضرورة تأخر الرواتب، لكنه يزيد الضغوط على قدرة الحكومة على تمويل التزاماتها، ولا سيما إذا تزامن مع تراجع الصادرات أو صعوبة الاقتراض. وقد تنعكس هذه الضغوط أيضا على تنفيذ المشاريع والخدمات العامة، بما يؤثر في النشاط الاقتصادي وفرص العمل.

وحذر الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي، من أن العجز المتوقع، الذي يقدره بين 43 و50 تريليون دينار، يستدعي ضبط الإنفاق وتقليص النفقات غير الضرورية ومعالجة الهدر والفساد والترهل الوظيفي، بدلا من التوسع في الإنفاق العام.

كما انتقد الاعتماد على تغيير سعر الصرف لمعالجة العجز، معتبرا أن المكاسب المالية المحتملة قد تكون محدودة ومؤقتة، بينما يتحمل المواطن كلفتها عبر ارتفاع أسعار السلع وتراجع القوة الشرائية للدخول الثابتة.

وتتصل هذه المخاوف بقرار اعتماد سعر 1500 دينار للدولار في حسابات الموازنة. فرفع سعر الدولار مقابل الدينار قد يزيد القيمة المحلية للإيرادات النفطية، لكنه قد يرفع أيضا كلفة السلع المستوردة والإنتاج والخدمات، بما يضغط على ميزانيات الأسر، خصوصا ذات الدخل المحدود.

وتبرز مخاطر إضافية مع اضطراب صادرات النفط. فقد أشار التقرير إلى تراجع الصادرات العراقية بنحو 75 بالمئة عند ذروة أزمة مضيق هرمز، وهبوط الإيرادات النفطية الشهرية من نحو 6.8 مليارات دولار في فبراير/شباط إلى قرابة 2.3 مليار دولار في مايو/أيار ويونيو/حزيران. وتوضح هذه الأرقام أن ارتفاع الأسعار وحده لا يكفي لتعويض انخفاض الكميات المصدرة.

في المقابل، يرى عضو لجنة النفط والغاز النيابية ربيع الموسوي أن تحسن الصادرات واستمرار أسعار النفط عند مستويات جيدة قد يساعدان في تعويض جانب من العجز، إلى جانب زيادة الإيرادات الضريبية وغيرها من الموارد. غير أن الاعتماد على هذه الاحتمالات يبقي الموازنة عرضة للصدمات الخارجية.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي، إلى استمرار هيمنة الإيرادات النفطية على المالية العامة حتى عام 2030، مع احتمال ارتفاع حصة الرواتب والمعاشات إلى 54 بالمئة من إجمالي الإنفاق إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

التعليقات

اترك تعليقاً