التخطي إلى المحتوى

بانكوك – قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، اليوم الأربعاء، إن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطا متزايدة بفعل صدمة سلبية في إمدادات الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، في وقت توفر فيه الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قوة دفع للنمو، ما يبرز الدور المتنامي للاقتصاد الرقمي في امتصاص جانب من تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة.

وقالت جورجيفا، خلال مؤتمر صحفي حول “أجندة السياسات العالمية” على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، إن الاقتصاد العالمي لا يزال يظهر قدرة على الصمود أمام سلسلة من الصدمات وحالة عدم اليقين، لكنها حذرت من أن هذه المرونة بدأت تقترب من حدودها القصوى مع تآكل هوامش الأمان في قطاعات الطاقة والمالية العامة.

وأوضحت أن مسار النمو العالمي يتأثر بقوتين متعاكستين؛ الأولى تدفعه إلى التباطؤ نتيجة تراجع إمدادات الطاقة وارتفاع كلفتها بفعل الحرب والتوترات في الشرق الأوسط، والثانية تدفعه إلى الصعود نتيجة زيادة الطلب والاستثمار المرتبطين بالذكاء الاصطناعي.

ويكتسب هذا التوازن أهمية خاصة بالنسبة للدول المنتجة والمصدرة للطاقة، إذ يمكن أن يؤدي اضطراب أسواق النفط والغاز إلى خفض حجم الإيرادات أو زيادة كلفة الإنتاج والتجارة، بينما تتيح الطفرة التكنولوجية للدول الأكثر اندماجا في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي مصادر جديدة للنمو والاستثمار والصادرات.

وفي هذا السياق، أشارت جورجيفا إلى أن الدول التي تتمتع باندماج قوي في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي تحقق أداء أفضل، ولا سيما عدد من الاقتصادات الآسيوية مثل تايلاند وماليزيا وكوريا وسنغافورة.

ويعكس ذلك انتقال جزء متزايد من النشاط الاقتصادي العالمي من القطاعات التقليدية المرتبطة بالطاقة والمواد الأولية إلى قطاعات التكنولوجيا المتقدمة ومراكز البيانات وأشباه الموصلات والخدمات الرقمية.

ولا تقتصر أهمية الذكاء الاصطناعي على قطاع التكنولوجيا نفسه، إذ إن توسع استخدامه يرفع الطلب على مجموعة واسعة من السلع والخدمات، من الرقائق الإلكترونية ومعدات الاتصالات إلى الطاقة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، ما يخلق موجة استثمار جديدة يمكن أن تعوض جزئيا آثار ضعف النشاط في قطاعات أخرى.

لكن جورجيفا حذرت في المقابل من أن مكاسب هذه الطفرة ليست موزعة بالتساوي، مشيرة إلى أن الدول منخفضة الدخل والاقتصادات الهشة والمتأثرة بالصراعات، خصوصا الدول المستوردة للطاقة التي لم تستفد من الطفرة التكنولوجية، ستكون الأكثر عرضة للتداعيات.

ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه أسعار الطاقة تحت تأثير الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما تبعها من هجمات وتوترات طالت منشآت ومصالح مرتبطة بالطاقة والملاحة في المنطقة.

كما أدى استمرار الخلافات بشأن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تجارة الطاقة عالميا، إلى زيادة المخاوف بشأن استقرار الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي ينعكس على التضخم وتكاليف الإنتاج والنشاط الاقتصادي.

وتظل مشكلة التضخم أحد أبرز القيود أمام الاقتصاد العالمي، إذ قالت جورجيفا إن معدلات التضخم لا تزال مرتفعة في العديد من المناطق، بما يفرض إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة ويزيد أعباء خدمة الدين، خصوصا في الاقتصادات التي تراكمت عليها الديون نتيجة الصدمات المتتالية.

وتوقعت جورجيفا نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3.1 بالمئة خلال 2026، دون تغيير عن توقعات أبريل/نيسان الماضي، لكنه يظل أقل من معدل النمو المسجل العام الماضي والبالغ 3.4 بالمئة.

ويشير هذا التوقع إلى أن الاقتصاد لا يزال قادرا على تحقيق نمو رغم اضطرابات الطاقة والتجارة وارتفاع مستويات الدين، إلا أن تركيب هذا النمو يتغير بصورة واضحة، مع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كأحد محركات النشاط والاستثمار.

وفي المقابل، تبدو الدول التي تعتمد بصورة أكبر على صادرات الطاقة أو تستورد احتياجاتها النفطية والغازية دون امتلاك قاعدة تكنولوجية قوية أكثر تعرضا لتقلبات الأسعار. وبينما قد تستفيد الدول المصدرة للطاقة التي لم تتأثر مباشرة بالحروب من ارتفاع الأسعار، فإن استمرار الاضطرابات قد يضغط على الطلب العالمي ويرفع تكاليف النقل والإنتاج، بما يجعل المكاسب قصيرة الأجل أقل استقرارا.

وتكشف هذه المعادلة عن تحول أوسع في الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد قوة الدولة الاقتصادية مرتبطة فقط بامتلاك موارد الطاقة، بل باتت قدرتها على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وسلاسل توريده والاستثمار في البنية الرقمية عاملا متزايد الأهمية في تحديد قدرتها على مواجهة الصدمات.

وبذلك، قد يشكل اقتصاد الذكاء الاصطناعي، بالنسبة إلى بعض الاقتصادات، مظلة جزئية في مواجهة صدمة الطاقة، لكنه في الوقت نفسه يوسع الفجوة بين الدول القادرة على استقطاب الاستثمارات التكنولوجية وتلك التي تظل خارج موجة التحول الرقمي.

التعليقات

اترك تعليقاً