بغداد – ألقت هيئة النزاهة العراقية القبض على ناصر كاظم جبر، وكيل وزارة الصناعة والمعادن، متلبسا بتقاضي رشوة داخل منزل صاحب معمل للإسمنت في مدينة السماوة بمحافظة المثنى، في تطور جديد ضمن مساعي حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي لملاحقة المتورطين في قضايا الفساد داخل مؤسسات الدولة.
ونقل موقع “بغداد اليوم” عن مصدر مطلع أن قوة تابعة للهيئة نفذت العملية بعد الاشتباه في مساومة المسؤول لصاحب المعمل للحصول على أموال مقابل منحه تسهيلات أو استثناءات. وأوضح المصدر أن عناصر القوة ضبطوا مبالغ مالية في الموقع، قبل اقتياد المسؤول لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقه.
ويأتي توقيف مسؤول بهذا المستوى الإداري في وقت تواصل فيه الحكومة العراقية إعلان التزامها بمواجهة الفساد وتعقب المتورطين فيه، وسط مطالب شعبية بمحاسبة أصحاب النفوذ وعدم اقتصار الملاحقات على الموظفين ذوي الدرجات الدنيا. ومع ذلك، تظل التهم المنسوبة إلى الموقوف خاضعة للتحقيق والإجراءات القضائية، إلى حين حسمها أمام القضاء.
ولا تبدو قضية وكيل وزارة الصناعة والمعادن معزولة عن حملة الملاحقات التي أطلقتها حكومة الزيدي منذ أشهر، إذ سبقتها إجراءات طالت مسؤولين بارزين في وزارة النفط، قبل أن تتسع التحقيقات لتشمل نوابا وشخصيات سياسية ومسؤولين حكوميين. ففي أواخر مايو/أيار، أوقف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي على خلفية شبهات فساد، ثم شهدت بغداد في أواخر يونيو/حزيران عملية أمنية واسعة أسفرت عن توقيف 47 شخصا، بينهم نواب ومسؤولون، في إطار تحقيقات بشأن استغلال موارد الدولة والعقود الحكومية.
ويعكس تجدد الملاحقات انتقال الحملة إلى قطاعات ومؤسسات مختلفة، فيما يبقى اختبارها الأساسي في مدى الوصول إلى شبكات المصالح، واسترداد الأموال العامة، وضمان محاسبة المتورطين أيا كانت مواقعهم، مع احترام قرينة البراءة والإجراءات القضائية.
وتضع القضية الحالية وزارة الصناعة والمعادن أمام تساؤلات بشأن آليات منح التراخيص والاستثناءات والتسهيلات للمنشآت الصناعية، ومدى خضوع القرارات الإدارية للرقابة والمراجعة. فالمخالفات المرتبطة باستغلال الصلاحيات العامة لا تقتصر آثارها على الخسائر المالية المباشرة، بل قد تؤدي أيضا إلى الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص بين المستثمرين، ورفع كلفة ممارسة الأعمال، وتقويض الثقة في المؤسسات الحكومية.
وتواجه السلطات العراقية تحديا متراكما في احتواء ظاهرة الفساد التي ترسخت على مدى سنوات بفعل تداخل المصالح السياسية والاقتصادية، وضعف الرقابة في بعض المؤسسات، وتعدد قنوات الإنفاق العام والعقود الحكومية. وقد جعلت هذه العوامل مكافحة الفساد ملفا يتجاوز توقيف الأفراد إلى ضرورة تفكيك الآليات التي تسمح بتحويل الصلاحيات الوظيفية إلى مصدر للمكاسب غير المشروعة.
وتعهد الزيدي بمواصلة ملاحقة المتورطين واستعادة الأموال العامة، في إطار توجه حكومي يسعى إلى إظهار أن المساءلة تشمل المسؤولين الذين يشغلون مواقع متقدمة في الجهاز الإداري. غير أن ترجمة هذه التعهدات إلى نتائج مستدامة تتطلب، إلى جانب عمليات الضبط، تعزيز استقلالية التحقيقات، وتسريع الفصل القضائي في الملفات، وإغلاق الثغرات التي تتيح طلب الرشى أو تمرير الاستثناءات خارج الضوابط القانونية.
كما يبقى استرداد الأموال المتحصلة من المخالفات ومحاسبة جميع الأطراف المستفيدة معيارين أساسيين لقياس أثر الحملة، إلى جانب نشر معلومات دقيقة عن نتائج التحقيقات والأحكام الصادرة.

التعليقات