المعروف عن القصة القصيرة أنها من أبرز الأجناس الأدبية التي أسهمت في تشكيل ملامح الأدب الجزائري الحديث والمعاصر، لما تمتلكه من قدرة عالية على التقاط اللحظة، وتكثيف التجربة الإنسانية، ومواكبة التحولات الاجتماعية والتاريخية التي عرفها المجتمع الجزائري. وقد ارتبط ظهور هذا الجنس الأدبي في الجزائر بسياق ثقافي وتاريخي خاص، تأثر بالحركة الإصلاحية، وبالاحتكاك بالآداب العالمية، إلى جانب ما شهدته البلاد من أحداث سياسية وثورية تركت أثرا واضحا في النتاج الأدبي. وقد استطاعت القصة القصيرة أن تفرض حضورها بفضل مرونتها الفنية، واعتمادها على الاقتصاد اللغوي، ووحدة الحدث، والتركيز على بناء الشخصيات والفضاء والزمن، مما جعلها وسيلة فنية قادرة على التعبير عن قضايا الإنسان الجزائري وتطلعاته.
ومع تطور التجربة السردية في الجزائر، برزت أسماء في الارتقاء بهذا الفن، ومن بينها الأديب عزالدين جلاوجي الذي يعد من أبرز الأصوات السردية المعاصرة، إذ قدّم أعمالا قصصية وروائية اتسمت بثراء موضوعاتها، وعمق رؤيتها الفكرية، وجمال بنائها الفني، مع توظيف تقنيات سردية حديثة جعلت نصوصه منفتحة على التأويل ومتعددة الدلالات. وتعد مجموعته القصصية ”رحلة البنات إلى النار” نموذجا لهذا الثراء، حيث تكشف عن قدرة الكاتب على استثمار العناصر السردية في بناء عالم قصصي يجمع بين الواقعي والرمزي، ويعكس قضايا الإنسان والمجتمع بأسلوب فني مميز.
نشأة وتطور القصة القصيرة في الجزائر:
تعد القصة القصيرة في الجزائر من الأجناس الأدبية التي ارتبط ظهورها وتطورها بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع الجزائري خلال القرن العشرين، إذ جاءت في بداياتها متأثرة بالمشرق العربي وبحركة النهضة الأدبية التي شهدها الوطن العربي، كما أسهم الاحتكاك بالأدب الغربي في تشكيل ملامحها الفنية الأولى. وقد بدأت إرهاصات هذا الفن في الظهور خلال فترة الاستعمار الفرنسي، حيث اتخذت القصة القصيرة آنذاك طابعا إصلاحيا وتوعويا، فكانت منبرا للدفاع عن الهوية الوطنية واللغة العربية والقيم الدينية، وسلاحا ثقافيا لمواجهة سياسة الطمس والاستلاب التي انتهجها المستعمر.ومع اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية سنة1954، تحولت القصة القصيرة إلى أداة نضالية تعكس معاناة الشعب الجزائري وآلامه وآماله في الحرية والاستقلال.
ترجع عوامل ظهور القصة القصيرة في الجزائر إلى جملة من العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية التي أسهمت في نشأة هذا الفن الأدبي وتطورها منها :
1_ التأثير الخارجي: أهمها التأثر بالآداب الغربية والعربية، واحتكاك الجزائريين بثقافات أخرى عبر الرحلات والبعثات العلمية، إضافة إلى دور الصحف والمجلات في نشر الأعمال الأدبية وتبادل الأفكار، مما ساعد على انتشار هذا الفن في الجزائر.
2_دور الصحافة: الظاهر أن اهتمام الصحافة كان متجها للإصلاح وبث الوعي في أوساط أبناء الشعب الجزائري، فدورها الأول والأساس كان سياسيا اجتماعيا، وذلك لا ينفي أنها احتضنت المحاولات الأدبية، لأن الأدب كغيره من النشاطات كان ينظر إليه بوصفه وسيلة تخدم القضية الوطنية.
3_ القصة الشعبية: أسهم التراث الشعبي، بما يزخر به من حكايات شعبية وأمثال وأقوال متوارثة، فكانت تتداول وتروى في كل المجالس وأهمها مجالس القوال” في الأسواق، فكان لها الدور الكبير في توجيه المجتمع وتربيته.
رواد القصة في الجزائر:
اختلف الباحثون حول تحديد الرائد الأول للقصة القصيرة في الجزائر، غير أن أغلبهم يجمعون على أن بدايات هذا الفن تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، ويعد محمد السعيد الزاهري من أبرز الرواد الأوائل. فقد ظهرت ذلك في قصة “عائشة”، فقد طبع مجموعة قصصية بعنوان “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير” عام 1928، كما يؤكد ذلك الأستاذ عبد الله بن حلى إلى أن النص الذي مس إلى حد ما الهيكل القصصي هي قصة عائشة”.
كما برز أحمد رضا حوحو الذي أسهم في تطوير القصة القصيرة من خلال معالجته للقضايا الاجتماعية بأسلوب فني متميز، وكان هذا من خلال أول مجموعة قصصية بعنوان “صاحبة الوحي”.
إلى جانب محمد العيد الجلالي وعلي بكر السلامي وعبد المجيد الشافعي وأحمد بن عاشور الذين كانت لهم إسهامات واضحة في ترسيخ هذا الفن وتطويره. وقد شكلت أعمال هؤلاء الرواد اللبنة الأولى للقصة القصيرة الجزائرية، ومهدت الطريق أمام الأجيال اللاحقة لإثراء هذا الجنس الأدبي وتوسيع آفاقه.
مع ثمانينات القرن الماضي شهدت القصة القصيرة الجزائرية تحولات فنية وموضوعاتية مهمة، نتيجة التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع الجزائري والانفتاح على الآداب العالمية والاتجاهات السردية الحديثة. قد أدى ذلك إلى ظهور جيل جديد من الكتّاب ابتعد عن الطرح الإيديولوجي المباشر، واهتم بالجوانب الفنية والجمالية للنص، مع التركيز على اللغة الشعرية، وكسر النمط التقليدي في بناء القصة، وتوظيف تقنيات سردية حديثة تقوم على التجريب وتجديد الرؤية الفنية. ومن أبرز ممثلي هذا الجيل: محمد لحوي، حسين فيلالي، خليفة قرطي، مفتي بشير، علال سنقوقة، السعيد بوطاجين، سميرة بولمية، جميلة زنير، زين الدين بومرزوق، عبد القادر بن سالم، يوسف بون، جمال فوغالي، عزالدين جلاوجي وغيرهم من الكتّاب الذين أسهموا في إثراء القصة الجزائرية المعاصرة وتطويرها.
يعد عزالدين جلاوجي من أبرز الأصوات السردية في الأدب الجزائري المعاصر، ومن الكتّاب الذين أسهموا بفاعلية في إثراء القصة القصيرة الجزائرية وتطويرها على المستويين الفني والموضوعاتي. فقد استطاع من خلال تجربته الإبداعية المتنوعة أن يفرض حضوره في الساحة الأدبية بفضل أسلوبه المتميز ورؤيته السردية الخاصة، حيث مزج بين الأصالة والمعاصرة، واستلهم من التراث الجزائري والعربي مع توظيف التقنيات السردية الحديثة. وقد عالج في أعماله العديد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والوطنية، مستكشفا أعماق النفس البشرية وتحولات المجتمع الجزائري، كما اتسمت قصصه بلغة أدبية راقية وبناء فني محكم يجمع بين الواقع والرمز والإيحاء. وإلى جانب إبداعه القصصي، برز جلاوجي روائيا وكاتبا مسرحيا وناقدا، فكان له إسهام واضح في تجديد الخطاب السردي الجزائري وترسيخ مكانة القصة القصيرة بوصفها جنسا أدبيا قادرا على التعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع. لذلك ينظر إليه بوصفه أحد أبرز أعلام القصة القصيرة في الجزائر المعاصرة، وأحد الكتّاب الذين واصلوا مسيرة الرواد وأسهموا في منح هذا الفن أبعادا جمالية وفكرية جديدة.
تمثل مجموعة رحلة البنات إلى النار من أبرز المجموعات القصصية للكاتب عزالدين جلاوجي، إذ تكشف عن وعيه الفني والجمالي، وتبرز قدرته على توظيف نختلف التقنيات السردية في بناء نصوصه القصصية. وقد عالج الأديب من خلالها قضايا إنسانية واجتماعية متنوعة.
اختار عزالدين جلاوجي عنوان” رحلة البنات إلى النار” للمجموعة القصصية بأكملها، وهو في الأصل عنوان لإحدى قصص المجموعة. ويكشف هذا الاختيار عن الأهمية التي تحظى بها هذه القصة داخل المتن القصصي، فقد جعلها الكاتب واجهة للمجموعة ومفتاحا لقراءة عوالمها ودلالاتها. كما يحمل العنوان شحنة إيحائية ورمزية قوية تستثير فضول القارئ وتدفعه إلى التساؤل حول طبيعة هذه الرحلة وأبعادها النفسية والاجتماعية والإنسانية، الأمر الذي يمنح العنوان وظيفة جمالية ودلالية تتجاوز مجرد التسمية إلى الإسهام في بناء المعنى وتوجبه عملية التلقي.
تقوم قصة رحلة البنات إلى النار على بناء سردي رمزي كثيف، تنطلق فيه الحكاية من شخصية أب مثقل بحمولة زائدة، لا تتجسد في أعباء مادية فقط، وفي ثقل معنوي واجتماعي يتفاقم مع ازدياد عدد بناته. وهذا الحمل يصير صورة مجازية لضغط المجتمع ونظرته القاسية، حيث تقاس القيمة الإنسانية بمقاييس النقع، والجاه، والربح في مقابل ازدراء مالا يندرج ضمن المعايير، ومن خلال تساؤلات الاب المضمرة حول مصائر البشر وما يلده كل فرد من ذهب وجاه أو مكانة، يكشف السرد عن منطق اجتماعي مختل يقصي الضعف ويحوله إلى عبء.
تطور الحكاية عبر مسار رحلي، يتحرك فيه الأب بحثا عن مخرج ينقذه من هذا الثقل، فيتجه إلى المؤسسات بوصفها رمزا للحماية والنظام، غير أن السرد يقابل هذا الأمر بالانغلاق والتعطيل، وتعلق الحلول إلى أجل غير معلوم، في إحالة واضحة على عجز المنظومة الاجتماعية على احتواء الهش والمهمش، وهنا تتعمق المأساة، ويتحول التردد والحيرة إلى نقطة انعطاف سردية تقوم إلى النهاية الصادمة.
تبلغ القصة ذروتها حين ينقلب الفعل الأبوي من الحماية إلى الإبادة، في مشهد رمزي بالغ القسوة، تقدم فيه البنات وقودا للنار، باعتبارهن مادة للتدفئة، تستخدم لإزالة برد الأجساد وتكدس القلوب. ويكمن البعد الجمالي في هذا المشهد في المفارقة الحادة التي يصنعها السرد بين الفعل الإنساني ومآله اللإنساني ، حيث تتحول النار من رمز للعقاب والهلاك إلى أداة نفع مؤقت، بينما يتوارى الألم الحقيقي خلف فرحة زائفة يتقاسمها الجمع.
قادنا عنوان القصة للدلالة الأولى للنص في صورة انتقال قسري للجنس الأنثوي إلى مكان ناري، بما يحمله هذا المكان من إيحاءات الهلاك والعقاب والإقصاء، فاختيار الكاتب إسناد فعل الرحلة إلى الإناث دون الذكور يكشف عن وعي سردي يجعل من الرحلة آلية رمزية لتعرية واقع التمييز القائم على النوع الاجتماعي. وبذلك تتحول النار إلى علامة دلالية مكثفة تختزل منظومة كاملة مع القهر الاجتماعي المسلط على المرأة.
تتجلى جماليات السرد في هذه القصة في اعتماد الإيحاء بدل التصريح، حيث لا يعلن النص موقفه بشكل مباشر، يمرره عبر شبكة من العلامات الرمزية، تتداخل فيها الرحلة مع النار، والأنوثة مع الاقصاء، لينتج نصا سرديا مفتوحا على قراءات متعددة، كما يُسهم هذا الغموض الدلالي في تعميق البعد الجمالي للنص، إذ يتحول المعنى من حقيقة جاهزة إلى بناء تأويلي يشارك القارئ في صياغته.
يقول في النص: “أنت حين عشت حياتك تمارس الصعود؟ هبطت سريعا المهم أن تسجل بناتك…أن تهنأ…أن تطمئن…أن تستريح…لحملهن في أحشائك تلك السنين أهون عليك بكثير من حملهن على كتفك والدوران بهن في محطات الدنيا… قرأت عليها العناوين (مراقبة البنات)، (اختيار البنات)، (تسجيل البنات)…استقبلتك موظفة اختلطت الألوان على وجهها بين أزرق وأحمر وأخضر ووردي كأنها واجهة دهان…البنات عندنا كثيرات ولهذا قررنا توقيف التسجيلات إلى أجل غير معلوم”.
يشتغل هذا المقطع السردي على لغة موحية مكثفة، تعكس ثقل التجربة ووطأة الإحساس بالعجز، فاللغة هنا داخلية، قريبة من تيار الوعي، تعتمد على الجمل القصيرة المتلاحقة، والنقاط المتتابعة، بما يخلق إيقاعا متوترا يحاكي اضطراب الشخصية الساردة وتعبها النفسي.
تتمثل جمالية اللغة في هذا النص من خلال الاستفهام الإنكاري في مستهل المقطع: أنت حيث عشت حياتك قارست الصعود؟ هبطت سريعا. هو استفهام لا ينتظر جوابا، بقدر ما يفتح أفق التأمل، ويضع القارئ مباشرة داخل الأزمة الوجودية للشخصية.
أما على مستوى السرد، فيقوم النص على تفكيك الزمن الخطي، فهو لا يسير الحدث وفق تسلسل تقليدي، فيتداخل الماضي بالحاضر عبر الاسترجاع، مما يمنح السرد طابعا ذهنيا تأمليا، ويلاحظ أيضا حضور المكان المغلق، ممثلا في المركز زأبوابه المتعددة. حيث تتحول الأبواب والعناوين( مراقبة البنات..اختيار البنات..) إلى علامات دلالية تُشيئ الإنسان، وتختزل مصيره في ملف أو إجراء.
أيضا حينما يصف السارد وجه الموظفة بأنه خليط من الأزرق والأحمر والأخضر والوردي ، في صورة أقرب إلى واجهة “دهان” وهو تشبيه ينزع عنها البعد الإنساني، ويحولها إلى كيان اصطناعي، يعكس برودة المؤسسة ولا مبالاتها لأن الألوان لها وظيفة دلالية تعمق بالإحساس والاغتراب والتشيئ.
كما يعتمد النص على التكرار الدلالي لفعل الحكي والشكوى والشرح، حيث يحكي لها قصته، ويشكو لها حاله وتعسه ويذكر لها هدفه، وهذا ما يكرس مفارقة سردية تقوم على عبثية الفعل الإنساني داخل منظومة مغلقة. حيث يقابل جهد الأب وتعبه بالرفض والتعليق إلى “أجل غير معلوم”، وهي صيغة لغوية توحي بالتيه واللايقين.
يتأسس السرد في القصة على تظافر اللغة المكثفة والبنية المقطعية، والرمز المكاني، والايقاع المتوتر، فهو يعري قسوة الواقع الاجتماعي، ويحول الحكاية الفردية إلى مأساة إنسانية ذات أبعاد دلالية مفتوحة، السرد هنا يعيد تشكيل الحدث فنيا، ليجعل من اللغة أداة كشف وفضح ومن القصة فضاء لتوليد المعنى.
خاتمة:
يكشف الاشتغال السردي في قصة رحلة البنات إلى النار لعزالدين جلاوجي في بناء فني محكم، تتكامل فيه مختلف العناصر السردية من أحداث وشخصيات ورؤية سردية ولغة لإنتاج خطاب قصصي يحمل أبعادا فكرية وإنسانية عميقة. وقد استطاع الكاتب أن يوظف تقنيات السرد الحديثة بكفاءة، فجاء النص منفتحا على التأويل، جامعا بين البعد الواقعي والرمزي، بما يعكس قدرة القصة القصيرة على تكثيف الدلالة وإثارة أسئلة القارئ. ومن ثم، تمثل هذه القصة نموذجا بارزا لتجربة عزالدين جلاوجي السردية، وتؤكد مكانته بوصفه أحد أبرز المجددين في القصة القصيرة الجزائرية، لما تتسم به أعماله من عمق فني ورؤية إبداعية تسهم في إثراء المشهد السردي والعربي.
الهوامش:
1-مخلوف عامر، مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر-دراسة-، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،1998، ص54
2-المرجع نفسه، ص49
3-عزالدين جلاوجي، مجموعة قصصية رحلة البنات إلى النار، دار المنتهى، 2020، ص90

التعليقات