التخطي إلى المحتوى

أبوظبي  ـ أعلنت هيئة البيئة – أبوظبي انطلاق موسم الصيد البري التقليدي ‘الصيد بالصقور’ لموسم 2026–2027، من 20 أكتوبر/تشرين الاول الجاري إلى 31 يناير/كانون الثاني 2027، في إطار تنظيم ممارسة تراثية متجذرة في الثقافة الإماراتية، مع تعزيز حماية الحياة البرية وضمان استدامة مواردها.

وأوضحت الهيئة أن الصيد يقتصر على الصقارين المرخصين، وأن الحبارى المسموح بصيدها هي الطيور المتكاثرة في الأسر فقط، بما يحد من الضغط على الأنواع البرية. كما يقتصر النشاط على المناطق المفتوحة في إمارة أبوظبي، مع ضرورة الابتعاد مسافة لا تقل عن كيلومترين عن الطرق الرئيسية والفرعية والمناطق المحظورة، ومنها المحميات والغابات والمناطق السكنية والعسكرية والمنشآت البترولية والمناطق الخاصة.

وتعكس هذه الضوابط التحول الذي عرفته الصقارة الإماراتية، من ممارسة ارتبطت قديمًا بالحياة الصحراوية وتأمين الغذاء، إلى موروث ثقافي ورياضي يخضع لمنظومة واضحة من القواعد البيئية والتنظيمية. فقد كان الصقر رفيقًا للصياد في رحلات القنص، خصوصا في صيد الحبارى والأرانب، قبل أن تتطور العلاقة بين الإنسان والطائر إلى مهارات متخصصة في الترويض والتدريب.

وتحتل الصقارة مكانة راسخة في الثقافة الإماراتية، وانتقلت تقاليدها عبر الأجيال حتى بعد تراجع الحاجة إلى الصيد كمصدر للغذاء. ومع تغير أنماط الحياة، تحولت إلى رياضة وهواية ووسيلة للاحتفاء بالتراث، وظهرت بطولات ومهرجانات متخصصة تستقطب الصقارين والمهتمين من داخل الإمارات وخارجها.

ويحظى الصقر بدلالة رمزية في الثقافة المحلية، إذ ارتبط بصفات القوة والشجاعة والصبر والاعتزاز، وحضر في الشعر والأدب الشعبي بوصفه جزءًا من ذاكرة البادية والرحلات الصحراوية. لذلك لم تعد الصقارة مجرد ممارسة مرتبطة بالقنص، بل أصبحت أحد مكونات الهوية الثقافية الإماراتية.

بالتوازي مع الحفاظ على الصقارة، طورت الإمارات برامج لحماية الصقور والطرائد وتعزيز استدامة هذه الممارسة. وشملت الجهود تشجيع استخدام الصقور المتكاثرة في الأسر، إلى جانب برامج الإكثار وإعادة إطلاق بعض الطيور في مواطنها الطبيعية، بما يخفف الضغط عن المجموعات البرية.

كما أنشأت الدولة مرافق متخصصة للعناية بالصقور، واعتمدت نظاما خاصًا لجوازات سفرها، بما يساعد على تنظيم انتقالها وتوثيق بياناتها. وأسهمت المستشفيات والمراكز البيطرية المتخصصة في توفير الرعاية اللازمة لهذه الطيور، خصوصًا خلال مراحل التدريب والصيد.

وتدعم مشاريع إكثار الصقور في الأسر تحسين السلالات والحفاظ عليها وتقليل الاعتماد على الطيور البرية، ضمن توجه يجمع بين صون التراث والمحافظة على التنوع البيولوجي.

وتتطلب الصقارة معرفة دقيقة بسلوك الطائر وطباعه وقدراته، إذ يبدأ إعداد الصقر ببناء علاقة من الثقة والتدريب المتدرج. وتستخدم إناث الصقور على نطاق واسع في الصيد نظرًا إلى حجمها وقوتها، فيما تختلف مدة التدريب وفق نوع الطائر وطبيعته واستجابته.

ومن الأدوات التقليدية المرتبطة بهذه العملية ‘البرقع’، وهو غطاء جلدي يوضع على رأس الصقر لتهدئته وتقليل المؤثرات المحيطة به والحفاظ على تركيزه. ويحتاج الصقار إلى الصبر والدقة في التعامل مع طائره، وفهم حركاته واستجاباته، وصولًا إلى مرحلة يصبح فيها قادرًا على الاستجابة للإشارات والأوامر.

وتختلف أساليب الصيد بحسب نوع الصقر، فبعضها يعتمد على المطاردة والمناورة في الجو، بينما يتميز بعضها الآخر بالانقضاض من ارتفاعات كبيرة. ويحدد الصقار توقيت إطلاق الطائر وفق حركة الطريدة واتجاه الرياح وسلوك الصقر.

ارتبط موسم الصيد التقليدي في منطقة الخليج قديمًا بدورة هجرة الطيور وتغير الفصول. وكان الصقارون يترقبون انخفاض درجات الحرارة ووصول الطيور المهاجرة، إلى جانب مؤشرات أخرى مرتبطة بالبيئة الصحراوية.

وتحتل الحبارى مكانة خاصة في تاريخ الصقارة، باعتبارها من أبرز الطرائد التي ارتبط بها هذا الموروث. وكان الصقارون يتتبعون آثارها في الصحراء خلال ساعات الصباح، مستفيدين من نشاطها في الأجواء الأكثر برودة.

وتتمتع الصقور بقدرات بصرية ومهارات عالية في الرصد والمطاردة، كما تختلف أنواعها في الحجم والقوة والسرعة وأساليب الصيد. ومن أبرز الأنواع المستخدمة في الصقارة الخليجية: الحر، والشاهين، والجير، والوكري، والقرموشة.

ومع تطور المجتمع الإماراتي وتراجع الاعتماد على الصيد كمصدر للغذاء، حافظت الصقارة على حضورها من خلال الرياضة والفعاليات التراثية ورحلات القنص والسياحة الصحراوية. وأسهمت المؤسسات المعنية بالتراث والبيئة في نقل المعارف المرتبطة بها إلى الأجيال الجديدة، مع تطوير الممارسات بما يتلاءم مع متطلبات حماية الطبيعة.

ويأتي موسم 2026–2027 في أبوظبي ضمن هذا المسار، إذ يجمع بين استمرار تقليد متوارث وتطبيق ضوابط بيئية دقيقة. ويؤكد حصر الصيد في المرخصين، واعتماد الحبارى المتكاثرة في الأسر، وتحديد المناطق والمسافات المسموح بها، أن استمرارية الصقارة أصبحت مرتبطة بحماية البيئة التي نشأت فيها.

وهكذا تواصل الصقارة حضورها في المشهد الإماراتي بوصفها تراثًا حيًا يتجاوز استحضار الماضي، إلى المحافظ

التعليقات

اترك تعليقاً