لقد أصبح صعود حزب ‘البديل من أجل ألمانيا’ في سكسونيا – أنهالت نتيجة انتخابية لا يُمكن وضعها في خانة الاحتجاج الشعبي، فقد فتحت الانتخابات للحزب أبواب مؤسسات الحكم على مصراعيها.
انعقد برلمان ولاية سكسونيا – أنهالت الجديد، وانتخب النائب عن البديل من أجل ألمانيا ‘توبياس راوش’ رئيساً للبرلمان، ليكون أول سياسي من حزب البديل يتولّى رئاسة برلمان ولاية في ألمانيا، فقد حصل ‘راوش’ على 48 صوتاً، مقابل 29 و5 أصوات امتناع، فيما يملك البديل من أجل ألمانيا 39 مقعداً، ويمتلك ‘تحالف سارة فاغنكنشت’ خمسة مقاعد، وقد صرّحت زعيمته ‘سارة فاغنكنشت’ علانية بمنح أصواتها لـ’راوش’ في حين أكّدت أنها حجبت أصواتها عن انتخاب نائبه ‘هانز توماس تيلشنَيدر’.
لنتوقّف قليلاً عند الأرقام، فحتى لو أخذنا أصوات تحالف سارة فاغنكنشت الخمسة لصالح راوش بعين الاعتبار، فمن أين جاءت الأصوات الأربعة الأخرى؟ صحيح أن الاقتراع سرّي، ولذلك لا يمكن معرفة أصحابها، لكن السؤال الذي لا تلغيه النتيجة يبقى محلّ جدل؛ هل جاءت بعض هذه الأصوات من داخل ‘الاتحاد الديمقراطي المسيحي’، رغم توصية قيادة كتلته البرلمانية بالامتناع عن التصويت؟
الأمر لا يقف عند رئيس البرلمان الجديد، فقد انتخب البرلمان ‘تيلشنَيدر’، القيادي في البديل من أجل ألمانيا، نائبا أول للرئيس بـ44 صوتاً، فيما أكّد رئيس كتلة تحالف سارة فاغنكنشت أن نواب حزبه لم يصوتوا له.
قد يقول مراقب بأنه من المبكّر الحديث عن صفقة، لكن من الصعب عليّ أيضا تجاهل ما تقوله الأرقام، وهي التي تشي بتفاهمات غير معلنة أو صفقات ‘من تحت الطاولة’، بين بعض نواب ‘الاتحاد الديمقراطي المسيحي’ والبديل من أجل ألمانيا.
ولا يمكن الجزم بأسماء أصحاب الأصوات، لكن وصول مرشحي البديل إلى أرقام تتجاوز وزنه البرلماني يفتح الباب واسعاً أمام هذا الاعتقاد.
ويبدو أن ‘حزام النار’ الذي أقامته الأحزاب التقليدية حول البديل بدأ يتحوّل إلى ‘نار إبراهيم’؛ نار كان يفترض أن تحرق طريق الحزب إلى السلطة، فإذا بها تنقلب برداً وسلاماً عليه، بل ربما تضيء له الطريق إليها.
ومن هنا يأتي الظنّ بالاتحاد الديمقراطي المسيحي ومرشّحه ‘كارستن بورشرت’، حيث انتُخب نائباً ثانياً لرئيس البرلمان بـ64 صوتاً، مقابل 17 وامتناع واحد، بينما فشل مرشح ‘الحزب الاشتراكي الديمقراطي’، الذي حصل على 33 صوتا مقابل 48، وهنا مربط الفرس، فالديمقراطي المسيحي لا يملك في البرلمان سوى 15 مقعداً، ومع ذلك حصل مرشّحه على 64 صوتاً، وهي أرقام تفضح بما لا يُفصح الديمقراطي المسيحي وشريكه المُحتمل عنه.
وهنا يأتي دور ‘أولرش زيغموند’، مرشّح البديل من أجل ألمانيا لرئاسة حكومة الولاية، وهو الذي أعلن في 5 أكتوبر/تشرين الأول أنه سيخوض انتخابات رئاسة الحكومة في ديسمبر/كانون الأول مرّة واحدة فقط، أي في الجولة الأولى، ولن يدخل جولة ثانية إذا لم ينجح.
قد يبدو هذا التصريح للوهلة الأولى موقفا سياسياً أو محاولة لتقديم صاحبه أمام المجتمع والناخب الألماني على أنه مرشّح لا يدخل في مساومات طويلة، لكنني أقرأه بصورة مختلفة، فمن يسعى إلى رئاسة الحكومة باستماتة كـ’زيغموند’ ولا يملك أغلبية مضمونة، يفترض به أن يخوض الجولة الأولى والثانية، وأن يتمسّك بالفرصة حتى النفس الأخير، لا أن يعلن مسبقاً أنه سيغادر المعركة إذا لم ينجح من المحاولة الأولى.
أمّا أن يعلن الأخير ذلك الآن، بعد يوم واحد فقط من النتائج اللافتة التي أفرزتها انتخابات رئاسة البرلمان، فيوحي بأنه ‘ملّي إيده’ أي أنه واثق من شيء لا نراه معلنا بعد. وهذه الثقة هي من وجهة نظري تمخّضت عن تفاهمات جرت داخل غرف مغلقة، وهذا هو ديدن السياسة والساسة في ألمانيا.
ولولا هذه التفاهمات لما كان منطقياً أن يُغلق مرشّح البديل لرئاسة الولاية على نفسه باب الجولة الثانية؛ كان سيخوض المعترك السياسي ويتمسّك بالمنصب حتى اللحظة الأخيرة، وما أفرزه التصويت في البرلمان أمس يكشف جزءاً من الصورة التي كان يعرفها ‘زيغموند’ في أغلب الظنّ قبل غيره.
أما الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي حصل مرشّحه على منصب نائب الرئيس الثاني، فتلك إشارة أخرى إلى تقاسم ‘الكعكة’ حتى لا يخرج هو الآخر خالي الوفاض، فإذا كانت أصوات البديل الإضافية قد جاءت نتيجة تفاهمات خارجة عن نهج الأحزاب الألمانية بتضييق الخناق على البديل، فالكعكة الآن لا تبدو بعيدة عن التوزيع؛ البديل يأخذ رئاسة الحكومة، والديمقراطي المسيحي يحصل على نصيبه منها.
الغضب واحد والتعبير عنه مختلف
نتيجة الثلاثاء الماضي في سكسونيا – أنهالت لا تعني أن الشرق الألماني أصبح كتلة انتخابية واحدة، ففي ‘مكلنبورغ – فوربومرن’ تصدّر البديل من أجل ألمانيا الانتخابات بـ 38.2 في المئة، ولم يكن ‘الحزب الاشتراكي الديمقراطي’ بعيدا عنه، إذ حصل على 35.5 في المئة، فيما بقيت رئيسة الحكومة ‘مانويلا شفيزيغ’ عن ‘الاشتراكي الديمقراطي’ قادرة على استيعاب جزء من الغضب الشعبي.
أما في برلين، فارتفع رصيد البديل إلى 16.3 في المئة، لكن ‘اليسار’ كان صاحب الكلمة الأقوى بحصوله على 25.7 في المئة.
لكن سكسونيا – أنهالت بتكوينتها الاجتماعية والسكانية والجغرافية مختلفة، والدليل ما أفضت إليه صناديق الاقتراع، وما انتهى إليه تصويت الأمس داخل البرلمان.
إذا صحت قراءة ما جرى في برلمان سكسونيا – أنهالت، فإن نهاية العام قد لا تكون موعداً لمعركة على رئاسة حكومة الولاية، بقدر ما تكون موعداً للإعلان الرسمي عن انتقال البديل إلى الحكم.
ولا يقف صعود البديل عند حدود الداخل الألماني؛ فمطالبته بترحيل السوريين ودعمه غير المشروط لإسرائيل يثيران مخاوف بشأن مستقبل السياسة الألمانية تجاه الشرق الأوسط، ولا سيما القضية الفلسطينية، واستمرار الدعم الألماني لإسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين في غزّة والضفة الغربية إذا وصل الحزب إلى الحكم.
واللافت أن هذا الحزب، الذي يرفع شعار حماية المصالح الألمانية، يبدو في خطاب قياداته أكثر تشدداً حين يتعلّق الأمر بالعرب والمسلمين، وهو ما تبرزه مواقف زعيمته ‘أليس فايدل’ من الهجرة واستقبال الذين جرى إجلاؤهم من قطاع غزّة.

التعليقات