التخطي إلى المحتوى

ليس كل من رفع شعار الحرية جديرًا بها، وليس كل من تحدث باسم الشعوب مؤهلًا لتمثيل تطلعاتها، فبين الشعارات والحقائق مسافة لا يمكن ردمها بالدعاية السياسية، ولا بتلميع الصور، ولا بمنح الجوائز التي يُفترض أن تُكرَّس لتكريم المدافعين عن الكرامة الإنسانية وحقوق الشعوب.

ومن هذا المنطلق، فإن قرار منح ‘جائزة الحرية’ لرضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، يثير تساؤلات جوهرية تتجاوز شخصه إلى طبيعة الإرث السياسي الذي يحمله، وإلى المعايير التي يُفترض أن تحكم تكريم المدافعين عن الحرية.

كيف يمكن أن تُمنح جائزة تحمل اسم الحرية لشخص ينحدر من أسرة ارتبط حكمها، في ذاكرة قطاعات واسعة من الإيرانيين، بالقمع السياسي والاستبداد وتكميم الأفواه؟ وهل يكفي أن يرفع وريث نظام سابق راية الديمقراطية حتى يصبح مؤهلًا لاحتكار الحديث باسمها، من دون مساءلة تاريخ النظام الذي يستند إلى إرثه، أو فحص طبيعة المشروع السياسي الذي يطرحه لمستقبل إيران؟

إن نظام الشاه لم يكن نموذجًا للديمقراطية التي يتغنى بها أنصاره اليوم، فقد اتسم حكمه، ولا سيما في سنواته الأخيرة، بالسلطوية الشديدة، وتقييد الحريات السياسية، وملاحقة المعارضين، وتكريس جهاز أمني سيئ السمعة عُرف باسم ‘السافاك’.

ولم يكن هذا الجهاز مجرد مؤسسة استخباراتية عادية؛ فقد ارتبط اسمه، في شهادات الضحايا وتقارير حقوقية وتاريخية عديدة، بالاعتقال التعسفي والتعذيب وملاحقة المعارضين السياسيين. وكانت ممارساته إحدى أبرز الصفحات السوداء في تاريخ الدولة الإيرانية الحديثة، وأسهم القمع الذي مارسه النظام في تعميق الغضب الشعبي الذي سبق سقوط الملكية عام 1979.

وليس من الإنصاف التاريخي أن يُختزل نضال الإيرانيين من أجل الحرية في الصراع بين الملكية والجمهورية الإسلامية، وكأن الشعب الإيراني لم يعرف الاستبداد قبل قيام النظام الديني، فالإيرانيون الذين انتفضوا ضد الشاه لم يفعلوا ذلك من أجل استبدال سلطة مطلقة بأخرى، بل من أجل إنهاء الحكم القمعي وتحقيق الاستقلال والحرية والعدالة.

غير أن الثورة التي أطاحت بالملكية انتهت إلى قيام نظام ديني سلطوي بدوره، صادر الحريات وقمع خصومه. وهكذا وجد الإيرانيون أنفسهم أمام تجربتين مختلفتين في الشعارات، متشابهتين فيما عاناه معارضوهما من الاضطهاد وانتهاك الحقوق.

إن رفض الاستبداد الديني لا يستلزم تبرئة الاستبداد الملكي، كما أن إدانة جرائم الجمهورية الإسلامية لا تمنح ورثة الشاه صكًّا بالبراءة التاريخية.

وتزداد حساسية منح هذه الجائزة حين يُستحضر إرث ‘السافاك’، وحين تتردد اتهامات بشأن وجود شخصيات وضباط سابقين مرتبطين بذلك الجهاز في محيط رضا بهلوي السياسي. وإذا كان المطلوب تكريم الحرية فعلًا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كان ابن الشاه يعارض النظام الإيراني الحالي فحسب، بل ما إذا كان مشروعه السياسي يقدم ضمانات واضحة لعدم إعادة إنتاج الاستبداد، ولحماية التعددية السياسية وحقوق القوميات والأقليات وحرية التعبير وحق الشعب في اختيار نظامه بحرية.

كما أن الديمقراطية ليست لقبًا يُورَّث والحرية ليست امتيازًا ينتقل من الآباء إلى الأبناء، كما لا يمكن أن تتحول المعاناة التي عاشها الإيرانيون في ظل النظام الحالي إلى مبرر لتبييض صفحة النظام السابق. ومن حق الإيرانيين أن يسألوا رضا بهلوي عن موقفه من انتهاكات عهد والده، وعن رؤيته للعدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وعن الضمانات التي يقدمها لمنع عودة أجهزة القمع، أيًّا كانت الراية التي تعمل تحتها.

وإذا كان رضا بهلوي يريد تقديم نفسه بوصفه بديلًا ديمقراطيًا، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر استدعاء الحنين إلى الملكية أو الاستفادة من الدعم السياسي الخارجي، بل عبر موقف صريح لا لبس فيه من جرائم الماضي، والتزام لا يقبل التأويل بدولة ديمقراطية تعددية، تُحسم فيها مسألة شكل النظام السياسي بإرادة الإيرانيين وحدهم، لا بقرار عاصمة أجنبية أو رغبة قوة دولية.

من هنا، فإن الاحتجاجات التي صدرت عن شخصيات ومجموعات إيرانية معارضة لمنح الجائزة تستحق أن تؤخذ بجدية، وأن تُناقش حججها بدلًا من اختزالها في خصومة سياسية مع ابن الشاه، فحين يعترض ضحايا التعذيب أو من يحملون ذاكرة الاعتقال والقمع، على تكريم وريث النظام الذي يحملونه مسؤولية معاناتهم، فإن أقل ما تقتضيه المسؤولية الأخلاقية هو الإصغاء إليهم، لا تجاوز أصواتهم باسم الحرية.

أما بلدية فرانكفورت، فإن منحها جائزة بهذا الاسم يضعها أمام مسؤولية توضيح المعايير التي استندت إليها وكيف وازنت بين موقف المرشح السياسي الراهن والإرث التاريخي الذي يرتبط باسمه، فالجوائز السياسية ليست قرارات معزولة عن دلالاتها؛ إنها رسائل أخلاقية ورمزية، وقد تتحول، إذا غابت عنها الحساسية التاريخية، إلى مصدر انقسام بدلًا من أن تكون جسرًا للتضامن مع ضحايا الاستبداد.

إن الحرية لا تُقاس بعداء المرء لخصمه وحده، بل بموقفه من حقوق من يختلفون معه، وباستعداده لمحاسبة ماضيه السياسي، وبقدرته على ضمان ألا يصبح الشعب مرة أخرى تابعًا لحاكم يرى نفسه أحق بالسلطة من سائر المواطنين.

إن تكريم الحرية لا ينبغي أن يتحول إلى تكريم لوراثة السلطة. ومن يريد أن يكون وريثًا للديمقراطية، عليه أولًا أن يقطع بوضوح مع إرث الاستبداد. أما منح الجوائز، مهما علت مكانتها، فلا يستطيع أن يحوّل التاريخ الأسود إلى صفحة بيضاء، ولا أن يجعل من سليل نظام قمعي رمزًا للحرية بقرار إداري.

التعليقات

اترك تعليقاً