ينطلق أي تأمل جاد في واقع الشرق الأوسط المعاصر من إدراك حقيقة بنيوية مفادها أن العالم اليوم بات يدار بـ”اللاتعقُّل”، حيث أسهم الانفجار الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في إزالة أية ستائر أو أسرار سياسية واجتماعية ودينية.
إن العالم بأسره يقف على حافة تهديدات كبرى؛ لا تعني بالضرورة نهاية الأمل المطلق، بل تشير بوضوح إلى أن أي تحول عقلي أو استراتيجي مقبل قد يفرز إما عالماً أفضل أو أسوأ، في وقت تسعى فيه الشركات الكبرى وزعماء المال الشرهون إلى تحجيم وتطويق المجتمعات البشرية ضمن منكنة (طاحونة ضغط) استنزافية.
جغرافيا الأزمات ومركزية المنطقة: تتأهب المنطقة، لكونها تحتضن الثروات النفطية والتوترات القومية والدينية والمذهبية فضلاً عن تنامي القوميات المتطرفة، لتكون البؤرة الأقرب لأي اشتعال، فالتدخلات الخارجية ومساعي القوى الكبرى – وعلى رأسها السياسات الأميركية الساعية لتقييد الخصوم وتورط قوى أوروبية – لا تهدف إلى بناء استقرار حقيقي بقدر ما تسعى للحفاظ على زعامة واشنطن الأحادية في مفاصل الهيمنة العسكرية والمالية، رغم إدراكها لاتجاه العالم نحو التعددية القطبية بتأثير صعود قوى أخرى كالصين.
مأزق إقليم كردستان العضوي في خضم التحولات الإقليمية
يعاني إقليم كردستان من تشظٍّ داخلي عميق يجعله حلقة أضعف في مواجهة طاحونة الصراعات الإقليمية والدولية، ويتجسد هذا المأزق عبر ثلاثة أبعاد جوهرية:
معضلة “الاستثناء الكردي المأزوم”: في الوقت الذي تشير فيه المعطيات إلى أن الحركات والأحزاب الكردية تمثل رأس الحربة الديموغرافية والسياسية الأكثر تأثيراً في مقارعة الأنظمة الاستبدادية (مقارنة بضعف المعارضة الإيرانية التقليدية)، فإن هذا الثقل يصطدم بتمزق داخلي وارتهان لتبعية سياسية واقتصادية تفرضها العواصم الإقليمية المحيطة، مما يحول الطاقات الكردية من مشروع تحرر وطني إلى ورقة استنزاف محترقة.
فخ التردد الدبلوماسي وانعدام البوصلة: بينما تسارع دول الطوق والإقليم (مثل قطر، الإمارات، الأردن، وغيرها) إلى نسج شبكة علاقات براغماتية ومصلحية جريئة مع إسرائيل والمجتمع الدولي لحماية بقائها وكياناتها دون اكتراث بالشعارات الخشبية، لا يزال القرار الكردي رهينة للمزايدات الحزبية الضيقة والخوف الأيديولوجي المفتعل، مما يترك الإقليم يُعاقب سياسياً واقتصادياً من الجميع دون أن يكسب حليفاً حقيقياً يحميه عند السقوط.
التبعية المطلقة وموت الاستقلال الذاتي: مع تحول موازنة الإقليم ورواتبه إلى “ورقة ضغط كبرى” بيد بغداد، وفي ظل غياب رؤية اقتصادية مستقلة أو إدارة موحدة حقيقية لقوات البيشمركة، وجد الإقليم نفسه يخوض معارك الآخرين بالوكالة بينما يفقد مقومات بقائه الداخلي وتدجين سيادته تدريجياً.
سراب النزاعات وآليات “لا حرب ولا سلام” والفوضى المدارة
عند تعميق النظر في طبيعة المواجهات الراهنة، يتضح جلياً أنه لا يوجد صراع أو حرب بمعناها الكلاسيكي الشامل، بل نحن أمام حالة رمادية تديرها الأطراف الكبرى عبر هندسة محكمة تتجلى في الحروب الهجينة وبدائل المواجهة الكلاسيكية وتفضل القوى الكبرى والإقليمية اليوم إدارة الصراع على حافة الهاوية (Edge of Chaos)؛ عبر عقوبات اقتصادية خانقة، ضربات استخباراتية واكتساح سيبراني، معارك إعلامية ونفسية، واشتباكات خاطفة ومحدودة تضمن استنزاف الخصم دون الانزلاق إلى حرب شاملة ومكلفة تدمر مصالح الجميع. وأن إدامة الأزمات لا حسمها هوالهدف الاستراتيجي للفاعلين الدوليين لم يعد “إسقاط الأنظمة” أو “إعادة بناء الدول” بالمعنى الجذري، بل إبقاء الأزمات في حالة غليان مستمر تبرر الوجود الاستراتيجي، وحماية المصالح الحيوية، واستمرار تدفق عقود التسليح وأمن الطاقة، دون تحقيق تسوية حقيقية تُنهي أسباب الصراع من جذورها. ومن أن الاستنزاف البطيء بالنسبة لشعوب المنطقة (بما فيها العراق وكردستان وإيران)، هذا النمط من الصراع مدمر أكثر بكثير من الحرب الكلاسيكية؛ لأنه لا يحسم شيئاً بل يستهلك الموارد، ويشل الاقتصاد، ويدفع المجتمعات نحو حالة من الجمود والشلل السياسي والاجتماعي المديد.
اقتصاد الأزمات العالمي ومأزق المستقبل
إن النظام الرأسمالي العالمي المأزوم يعتمد هيكلياً على آليات اقتصادية مدمرة لتصدير أزماته وإدارتها عبر:صناعة الطلب من خلال التوتر: إن حالة التوتر المستمر (لا حرب مدمرة توقف التجارة نهائياً، ولا سلام دائم يقلص الحاجة للتسلح والحماية) تضمن استمرار عقود التسليح الضخمة، والتحكم بأسعار الطاقة، وحماية المصالح المالية الغربية.تصدير الأزمات المحلية: تعمل الدول الكبرى على تصدير أزماتها الاقتصادية الداخلية عبر خلق أسواق للحروب الهجينة وإشغال الأطراف الإقليمية بصراعات جانبية تمنعها من النهوض الاقتصادي المستقل.
وهذا الفخ الاقتصادي ينعكس بشكل كارثي على الدول والكيانات الريعية في منطقتنا، وفي مقدمتها إقليم كردستان، فيغرقها في استنزاف مالي وشلل سياسي مقيم. وفي ظل هذا كله، ونتيجة للغياب التام لأي وضوح في مسارات الخطوط الاستراتيجية من قِبل كل الأطراف، يبقى المخرج بعيداً جداً، لتظل المنطقة والإقليم بأكمله أسرى لتيه مستدام بانتظار هزة هيكلية كبرى ربما تعيد رسم خارطة الوجود برمته.

التعليقات