التخطي إلى المحتوى

ما تقوم به جماعة ‘أنصار الله’ (الحوثي) في اليمن ضد المطارات والأهداف المدنية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية، من المهم التعامل معه على أنه جرائم حرب مكتملة الأركان.

يستحق هذا السلوك ما هو أكبر من مجرد بيانات الإدانة والرفض والاحتجاج التقليدية لأن التغاضي عنه يُوجد مشروعية لجماعات وميليشيات مسلحة لتكرار هذه التصرفات في مناطق أخرى، ما يضع المجتمع الدولي مستقبلاً أمام مأزق أخلاقي وأمني خطير يؤدي عدم القدرة على وضع حد مبكر لهذه التجاوزات إلى اتساع نطاقها ويدفع بالمنطقة والإقليم نحو تكاليف باهظة.

يوفر بيان الإدانة الواضح لعمليات الحوثي والتكاتف مع الرياض ودعم حقها المشروعي في الدفاع عن نفسها والذي أصدره وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا، دعماً سياسياً كبيراً للرياض، لكنه يحتاج إلى خطوات عملية تنقل مضمونه من الإطار النظري إلى الواقع الميداني. يرمي التعمد في استهداف المطارات والبنية التحتية السعودية إلى محاولة عزل المملكة عن العالم ومضاعفة الخسائر المادية والاستراتيجية.

تعتقد جماعة الحوثي أن ضرب المطارات ورفع مستوى التكلفة الاقتصادية عامة قد يُجبران الرياض على تقديم تنازلات، في وقت تبدو فيه يد الجماعة هي الأعلى معنوياً، بينما الحقيقة هي أن توسيع نطاق التهديدات وتحميل السعودية المزيد من الخسائر قد يفضي إلى عكس ذلك تماماً. يقود إلى إيجاد درجة أكبر من التعاون والتنسيق مع قوى إقليمية ودولية عديدة، وإصرار أشد على إنهاء ظاهرة الحوثي التي تمثل خطراً على دول المنطقة واقتصاد العالم. يؤكد التعامل معها باعتبارها جماعة عقائدية أن الوسائل السياسية وحدها لن تكون مجدية معها.

تخدم هذه التصرفات المصالح الحيوية لطهران من خلال نقل جوهر الصراع من مضيق هرمز إلى جبهات أخرى أشد وطأة. مثل: باب المندب والبحر الأحمر، وبما يخفف الضغوط العسكرية والاقتصادية عن إيران، التي لا أحد ينكر أنها “العرّاب” الخفي والداعم الأكبر للحوثي، التي نجحت في توظيف الجماعة بما يخدم أغراضها الإقليمية.

لن يجدي الحديث نفعاً عن امتلاك الجماعة هامش استقلال وعدم انصياعها التام لإرادة الحرس الثوري. تؤكد كل المعلومات عمق المصالح المتبادلة أبسطها الدعم بالتسليح والمعدات والتقنيات ذات القدرة العالية على الوصول إلى أهداف بعيدة.

تريد جماعة الحوثي من وراء استهداف المطارات السعودية استكشاف ملامح المواقف الدولية المتوقعة، وما إذا كان سيتم التعامل مع تصرفاتها كجرائم حرب أم سيجري تجاهلها بحكم وجود قوى دولية مستفيدة من التوتر فضلاً عن ذلك، تستهدف الجماعة جس نبض الجهات الداعمة للرياض بشأن حجم مساهماتها العسكرية، فقد أعلن تحالف مكة عن تطبيقه في نطاق الدفاع عن المملكة بلا إشارة إلى أدوار هجومية محددة، ما يُعد أمراً مريحاً للحوثي بعد تداول معلومات عن تنوع المهام العسكرية للتحالف.

يُعد التعرف على ملامح الدور الأميركي المنتظر أحد التوجهات الحاكمة لتحركات الجماعة العسكرية. تعلم الجماعة أن واشنطن قدمت دعماً استخباراتياً للرياض وأن هناك خبراء ومستشارين يقدمون المساعدة، غير أن الموقف من المشاركة المباشرة في الحرب لا يزال يكتنفه الغموض، فقد أكدت التفاهمات بين الجانبين، والتي كشفها لقاء عُقد بين ممثلين لهما في مسقط، أن الولايات المتحدة تتسم بالحذر الشديد تجاه أي انخراط عسكري مباشر في الوقت الراهن.

الحاصل أن الحوثيين لا يثقون في صمود هذه التفاهمات. يرون أن واشنطن تدير الأزمة مؤقتاً إلى حين انتهاء الإدارة الأميركية من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حيث يواجه الحزب الجمهوري تحدياً قاسياً أمام منافسه الحزب الديمقراطي.

يشكل هذا الموعد كابحاً للأول عن القيام بعمل عسكري واسع يصعب التنبؤ بنتائجه أمام الناخب الأميركي، الذي يتأثر سريعاً بارتفاع أسعار الطاقة. بكلام آخر: فإن نقل التوتر والحرب من مضيق هرمز إلى باب المندب سوف يتسبب في قفزات كبيرة بأسعار النفط والغاز وكافة السلع المارة عبر هذه المضايق.

تدرك جماعة الحوثي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مأزق بين خيارين: النأي بالنفس عن الدخول في حرب مباشرة، أو حسم الأمر بالمشاركة وتوفير دعم أكبر للسعودية.

يرمز الخيار الأول إلى رغبة في إطلاق يد الحوثي بالمنطقة والتغاضي عن التعامل مع ضرب الأهداف المدنية كجرائم حرب، بينما يؤدي الخيار الثاني إلى العودة المباشرة للحرب وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر وما ينجم عن ذلك من تداعيات اقتصادية ثقيلة على المجتمع الدولي، ما يضع مسؤولية جديدة على عاتق واشنطن، كما حمّلتها بعض الدول مسؤوليّة التوتر في مضيق هرمز.

تقود المعادلة الراهنة إلى حرب استنزاف طويلة، لا تلوح في الأفق معالم واضحة لحسمها عسكرياً، ولم تظهر بعد جهة قادرة على التوسط بفاعلية للوصول إلى تسوية سياسية مناسبة.

هذه إحدى الإشكاليات الرئيسية التي جعلت المواجهات بين التحالف العربي بقيادة السعودية وبين جماعة الحوثي صعبة ومستمرة ونتائجها غامضة، ما ينبئ باستغراق هذا الوضع وقتاً طويلاً تتكبد فيه جميع الأطراف خسائر متباينة.

تشير التجارب التاريخية إلى صعوبة الحسم في المواجهات التي تدور بين جيوش نظامية وبين جماعات وميليشيات وفصائل مسلحة، وإن كانت المعارك التي تخوضها جماعة الحوثي تشبه الجيوش النظامية في بعض أجزائها تملك كفاءة قتالية في المناطق الجبلية وتجيد التعامل مع الجغرافيا اليمنية القاسية.

كما أن فكرة النصر بالمعنى المطلق في هذا النوع من الحروب تحتاج إلى توصيفات دقيقة يصعب العثور عليها في الحالة اليمنية، القضاء التام على جماعة ذات أيديولوجيا عقائدية ليس سهلاً.

على الصعيد المقابل، لم تظهر جهة يمكن القول إنها على أتم الاستعداد للقيام بدور بارز في الوساطة بين الأطراف الرئيسية، كما هو الحال بين إيران والولايات المتحدة (باكستان وقطر). ويلعب التباعد في المسافات السياسية وغياب الجهة المنوط بها بلورة رؤية شاملة دوراً مفصلياً في تراجع فرص المفاوضات، ما يفسح المجال للعمل العسكري، وينذر بانفلات السيطرة على مفاتيحه ودخول المنطقة في صراعات جديدة.

تبقى نقطة التركيز على جرائم الحرب التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق السعودية نقطة مفصلية في مسار الموقف الدولي. على المجتمع الدولي التعامل معها بحزم قبل أن تتحول هذه الجرائم إلى نمط متكرر ترتكبه أطراف مختلفة وهي تعلم أن المنظمات والهيئات المسؤولة عن تطبيق القانون الدولي تتجاهلها ولن تُقدم على محاسبتها.

التعليقات

اترك تعليقاً