التخطي إلى المحتوى

بغداد – من المنتظر أن يجري رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي جولة خليجية اعتبارا من يوم الأربعاء المقبل، وفق ما ذكرت تقارير إعلامية محلية، في مسعى لإعادة ترميم تصدعات في العلاقات وإعادة بناء الثقة عقب اعتداءات على السعودية قالت الرياض إنها انطلقت من الأراضي العراقية.

وتكتسب جولة الزيدي الخليجية أهمية تتجاوز بحث الملفات الاقتصادية والأمنية المشتركة، في ظل حاجة بغداد إلى تعزيز الثقة مع عواصم الخليج، وتأكيد قدرتها على منع استخدام الأراضي العراقية منصة لشن هجمات تهدد أمن المنطقة واستقرارها.

وتأتي هذه التطورات أيضا على وقع توترات إقليمية لا تهدأ وفي وضع بدا فيه العراق بحكم موقعه الجغرافي ساحة تجاذبات ومنافسات داخلية وخارجية أثقلت كاهله ووترت علاقته مع العمق الخليجي.

ومن المقرر أن تكون السعودية أول محطة للزيدي، قبل التوجه إلى دولة الكويت، لبحث تطورات الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها الأمنية والاقتصادية، إلى جانب ملفات التعاون المشترك على مختلف الأصعدة.

وبحسب تقارير إعلامية، فإن المباحثات ستتناول الملفات الأمنية والاقتصادية المشتركة والتطورات التي تشهدها المنطقة وتأثيراتها على استقرار الدول ومصالحها، مضيفة أن رئيس الوزراء العراقي سيؤكد رفض شن أي هجمات من الأراضي العراقية على دول الخليج والمنطقة، مشدداً على أن حكومته لن تتهاون في محاسبة الجهات المتورطة في عمليات عابرة للحدود.

وتأتي الجولة في توقيت حساس للعلاقات العراقية الخليجية التي تواجه حالة من الترقب والحذر منذ انطلاق العمليات العسكرية الإقليمية في فبراير/شباط 2026، وسط اتهامات متكررة لفصائل مسلحة باستغلال الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مصالح اقتصادية إقليمية. كما تأتي بعد إلغاء زيارة كان من المقرر أن يجريها الزيدي إلى الرياض في يوليو/تموز الماضي، على خلفية التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة.

من تطمينات سياسية إلى التزامات أمنية

وتشير دلالات الجولة إلى أن بغداد تسعى إلى الانتقال من تأكيد حرصها على العلاقات الخليجية إلى تقديم ضمانات سياسية وأمنية أكثر وضوحاً، في وقت لم تعد فيه تداعيات نشاط الجماعات المسلحة شأناً عراقياً داخلياً فحسب، بل باتت مرتبطة بحسابات الأمن الإقليمي وحماية المنشآت والمصالح الاقتصادية وخطوط الإمداد.

ويكتسب تعهد الزيدي بمحاسبة الجهات التي تنفذ هجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية أهمية خاصة، لأنه يضع مصداقية الحكومة أمام اختبار عملي يتعلق بقدرتها على فرض القانون ومنع استخدام أراضي البلاد في صراعات تتجاوز حدودها، فالتطمينات السياسية قد تفتح الباب أمام تحسين العلاقات، لكنها تحتاج إلى إجراءات قابلة للقياس حتى تتحول إلى ثقة مستدامة لدى الشركاء الخليجيين.

ويمثل هذا الملف تحدياً لبغداد، إذ يتطلب التوفيق بين حماية السيادة العراقية ومنع التدخلات الخارجية، وبين حصر قرار استخدام القوة بيد مؤسسات الدولة، بما يحول دون جر العراق إلى مواجهات لا تتصل بالضرورة بمصالحه الوطنية. ومن ثم فإن نجاح الجولة لن يقاس فقط بمضمون التصريحات، بل أيضاً بما قد يتبعها من تنسيق أمني وتعاون مؤسسي وآليات لمنع تكرار الهجمات.

رسائل إلى الجوار الخليجي

وتحمل المحطة السعودية دلالة بارزة بالنظر إلى ثقل الرياض في معادلات المنطقة، وإلى أهمية بناء علاقة تقوم على المصالح المتبادلة والتنسيق في مواجهة التهديدات الأمنية، فاستقرار العلاقة بين بغداد والرياض لا ينعكس على الملفات الثنائية وحدها، بل يمتد إلى فرص توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري وتعزيز الترابط الإقليمي في مرحلة تتزايد فيها كلفة الاضطرابات الأمنية.

أما زيارة الكويت، فتكتسب أهميتها من الجوار الجغرافي وتشابك المصالح والملفات الحدودية والاقتصادية، فضلاً عن تأثر البلدين المباشر بأي اضطراب أمني في المنطقة. ويتيح الانتقال بين العاصمتين فتح قنوات تواصل مع دولتين خليجيتين معنيتين باستقرار العراق، وبضمان ألا تتحول أراضيه إلى مصدر تهديد لأمنهما.

ولاتزال الخلافات بين بغداد والكويت حول اتفاقية خور عبدالله ترخي بظلالها على العلاقات الثنائية وينذر استمرارها دون حل، في تفاقم التوترات بينما يحاول الزيدي تخفيف التوتر الكامن والمعلن.

كما أن جمع السعودية والكويت ضمن جولة واحدة يمنح بغداد فرصة لتأكيد أن سياستها تجاه الخليج تستند إلى توجه إقليمي أوسع، لا إلى تفاهمات ثنائية معزولة. وتحتاج هذه السياسة إلى ترجمة عملية عبر تبادل المعلومات، وتطوير التنسيق الأمني، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للتجارة والاستثمار.

ويمنح توقيت الجولة الزيارة بعداً إضافياً، فهي تأتي بعد إلغاء زيارة الرياض في يوليو/تموز الماضي، بما يجعل استئناف التواصل على مستوى رئيس الوزراء مؤشراً إلى رغبة بغداد في إعادة تنشيط المسار السياسي مع العواصم الخليجية، بالتزامن مع استمرار المخاوف من اتساع رقعة المواجهات الإقليمية.

ولا تنفصل التحركات الدبلوماسية عن التحديات الاقتصادية؛ إذ أن استمرار التوترات والهجمات على المصالح والمنشآت الحيوية يرفع مستوى المخاطر أمام الاستثمارات والتبادل التجاري، ويحد من فرص بناء شراكات طويلة الأجل. ولذلك، فإن تعزيز العلاقات الخليجية يمثل مصلحة عراقية مباشرة، وليس مجرد استجابة لمطالب أمنية خارجية.

لكن تحويل الجولة إلى نقطة تحول في العلاقات يتطلب متابعة لما ستسفر عنه المباحثات وإجراءات عراقية تؤكد جدية التعهدات المعلنة، فالعواصم الخليجية تنظر إلى قدرة بغداد على ضبط الجماعات المسلحة باعتبارها عاملاً أساسياً في تحديد مستوى الثقة والتعاون في المرحلة المقبلة.

وتبدو جولة الزيدي محاولة لفتح صفحة أكثر استقراراً مع الجوار الخليجي، عبر الجمع بين الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والالتزامات الأمنية. ويبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة العراقية هو تحويل الرسائل السياسية إلى خطوات ملموسة تعزز سيادة الدولة، وتحمي مصالح العراق، وتمنع استخدام أراضيه في تهديد أمن دول المنطقة.

التعليقات

اترك تعليقاً