بغداد – يواجه الإطار التنسيقي في العراق اختباراً سياسياً واقتصادياً معقداً بعد طرح حزمة مقترحات لمعالجة تداعيات رفع سعر صرف الدولار، في خطوة تبدو محاولة لاحتواء الغضب الشعبي من ارتفاع الأسعار، لكنها تثير تساؤلات بشأن قدرتها على تخفيف الأعباء المعيشية فعلياً، في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع الضغوط على حكومة علي الزيدي المدعومة من القوى المنضوية في الإطار.
وتأتي المقترحات بعد قرار مجلس الوزراء رفع سعر شراء الدولار من وزارة المالية إلى 1500 دينار، وبيعه للمصارف بـ1510 دنانير، وللمستفيد النهائي بـ1520 ديناراً، بدلاً من 1320 ديناراً سابقاً. ويعني ذلك زيادة قدرها 20 ألف دينار مقابل كل 100 دولار، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ما يجعل آثار القرار مرشحة للانتقال إلى أسعار السلع والخدمات، بما فيها الاحتياجات الأساسية للأسر.
وتكشف الحزمة التي أعلنها الإطار عن إدراك سياسي لحجم التداعيات المحتملة، إذ تدعو إلى ضبط السوق الموازية والحد من المضاربة، وإعفاء السلع الأساسية من الرسوم الجمركية لمدة ستة أشهر، وفرض رقابة على الأسعار المرجعية، إلى جانب خفض الأجور الدراسية بنسبة 15 في المئة خلال العام الدراسي الحالي.
كما تتضمن إجراءات تتعلق بتحصيل الضرائب من الشركات الكبرى، وتأسيس صندوق لاستقرار سعر الصرف، وتقديم قروض ميسرة للمشاريع الزراعية والصناعية، ومراجعة العقود الحكومية المتأثرة بالتغيير.
غير أن واقعية هذه المقترحات لا تُقاس بعدد الإجراءات المعلنة، بل بقدرة الحكومة على تنفيذها وسرعة انعكاسها على حياة المواطنين، فإعفاء السلع الأساسية من الرسوم قد يخفف بعض تكاليف الاستيراد، لكنه لا يضمن وحده انخفاض أسعار البيع، ما لم تقترن الخطوة برقابة فعالة على الأسواق، وإجراءات تمنع التجار من الاحتفاظ بفارق الإعفاء وتحويله إلى أرباح إضافية.
وينطبق الأمر نفسه على الدعوة إلى ضبط السوق الموازية، فاستقرار سعر الصرف يتطلب معالجة أسباب اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر التداول، والحد من المضاربات، وضمان انسيابية التحويلات التجارية المشروعة. أما الاكتفاء بالتشديد الرقابي، من دون معالجة الاختلالات التي تغذي الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية، فقد يحد من بعض التجاوزات، لكنه لا يكفي لضمان استقرار مستدام.
وتبدو مقترحات تحصيل الضرائب من شركات الاتصالات والمصارف والشركات الكبرى أكثر ارتباطاً بمعالجة جانب من المشكلة المالية، خصوصاً إذا أسهمت في توسيع الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على الحلول التي تمس قيمة الدينار، لكن إنشاء صندوق لاستقرار سعر الصرف وتمويله من فوائض الإيرادات النفطية، يظل رهناً بتحقق تلك الفوائض وبوجود قواعد واضحة لإدارته، بدلاً من التعامل معه بوصفه ضمانة فورية لحماية العملة.
أما القروض الميسرة للمشاريع الإنتاجية، فتطرح مساراً أكثر ارتباطاً بجذور الأزمة، عبر تقليص الاعتماد على الاستيراد وزيادة الإنتاج المحلي، إلا أن أثرها يحتاج إلى وقت ولا يمكن أن يعوض سريعاً الخسائر التي تتكبدها الأسر مع إعادة تسعير السلع والخدمات.
ويعكس قرار خفض الأجور الدراسية ومراجعة العقود الحكومية محاولة لتوزيع جزء من كلفة القرار، لكنه يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة ورقابة تمنع الالتفاف عليه. كما أن تحديد 31 ديسمبر/كانون الأول 2026 موعداً نهائياً لمعالجة الالتزامات وفق السعر السابق يضع أمام الحكومة مهمة معقدة تتعلق بتسوية العقود وحقوق الموردين والمستثمرين.
وكان الزيدي قد برر أمام مجلس النواب تغيير سعر الصرف باستبعاد خيارات الادخار الإجباري وتأخير الرواتب، والتوسع في الاقتراض، فيما أعلن رئيس المجلس هيبت الحلبوسي دعم الكتل السياسية للقرار وعدم التراجع عنه. ويعني ذلك أن الحكومة تراهن على أن كلفة تعديل سعر الصرف أقل من كلفة البدائل التي تقول إنها كانت متاحة، لكن هذا التبرير المالي لا يلغي الحاجة إلى حماية المواطنين من التداعيات.
وتحمل مقترحات الإطار التنسيقي إجراءات قابلة للتطبيق، لكنها لا تشكل حتى الآن خطة متكاملة تضمن احتواء الأزمة. وسيكون معيار نجاحها انتقالها من التعهدات إلى التنفيذ، وظهور نتائج ملموسة في الأسعار والإيرادات والإنتاج. أما إذا بقيت في إطار الاستجابة السياسية للغضب الشعبي، من دون رقابة وموارد وجدول زمني ملزم، فقد تتحول إلى محاولة لامتصاص الاحتقان، فيما تواصل الأسر تحمل الجزء الأكبر من كلفة القرار.

التعليقات