التخطي إلى المحتوى

جيل زد .. أغنى وأقل رضا

قد يكون أصعب ما يواجهه جيل «زد» ليس نقص المال، بل الصورة التي يملكها عن المال.

 

فالأرقام تقول إن أبناء هذا الجيل يدخلون سوق العمل بدخول أعلى ويجمعون ثروات أكبر، مقارنة بالأجيال السابقة في الأعمار نفسها، بينما تقول مشاعرهم شيئاً مختلفاً تماماً: المستقبل المالي يبدو أكثر غموضاً، وامتلاك منزل أو التقاعد براحة مالية يبدوان هدفين بعيدين.

 

هذه المفارقة ليست جديدة تماماً.

 

ففي عام 1866، اشتكى مقال نشرته مجلة صحية أمريكية من أن شراء منزل أصبح يحتاج إلى «ثروة صغيرة»، وأن أسعار الأثاث تضاعفت عدة مرات خلال عقد واحد.

 

المفارقة أن صاحب الشكوى لم يكن يتحدث عن أزمة اقتصادية حديثة أو عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، بل عن قلق مالي يشبه كثيراً ما يردده الشباب اليوم.

 

 

القلق الأبدي

 

تأتي هذه المقارنة في مقدمة تقرير حديث أعده مركز الاقتصاد الكلي التابع لمجموعة بوسطن الاستشارية، تحت عنوان «الأبناء بخير: القلق الأبدي بشأن الشباب والمال»، خلص فيه الاقتصاديون فيليب كارلسون-سلزيك، وبول سوارز، وهنري روبن إلى أن الصورة الشائعة عن جيل شاب يتراجع اقتصادياً مقارنة بمن سبقه لا تتطابق بالكامل مع البيانات.

 

وبحسب التقرير، فإن جيل «زد» (المولودين بين عامي 1997 و2012) أكثر ثراءً عند الأعمار نفسها مقارنة بجيل الألفية (المولودين بين عامي 1981 و1996)، والجيل «إكس» (المولودين بين عامي 1965 و1980)، و«جيل طفرة المواليد» (المولودين بين عامي 1946 و1964). لكن المفارقة أن هذا التقدم الاقتصادي يترافق مع شعور مالي أكثر تشاؤماً من أي جيل سابق تقريباً.

 

أرقام أفضل.. ومشاعر أسوأ

 

يصف التقرير حالة جيل «زد» بمفارقة تشبه روايات تشارلز ديكنز: أفضل وأسوأ الأوقات في الوقت نفسه. فبينما تشير المؤشرات إلى تحسن مستويات الدخل والثروة، تتزايد المخاوف بشأن القدرة على شراء منزل، وبناء مدخرات كافية، والوصول إلى تقاعد مريح.

 

ويقول فيليب كارلسون-سلزيك، كبير الاقتصاديين العالميين في “مجموعة بوسطن الاستشارية”، إن لديه تعاطفاً مع هذا الجيل، لأنه كان بمثابة «فأر تجارب» لثورة الهواتف الذكية، في وقت لم يحصل فيه الشباب على مساعدة كافية من الآباء والمؤسسات التعليمية لتطوير أدوات تميز بين ما تعرضه منصات مثل «تيك توك» والواقع الفعلي.

 

لكن الأرقام، بحسب التقرير، تقدم صورة مختلفة عن الانطباعات السائدة.

 

فعلى مستوى الدخل، يحصل أكبر أفراد جيل «زد» سناً، البالغون 28 عاماً، على متوسط دخل يبلغ 42 ألف دولار في الولايات المتحدة، أي أعلى بنحو 25% مما كان يحصل عليه جيل الألفية في العمر نفسه، وبنحو 50% مقارنة بدخل «جيل طفرة المواليد» في السن ذاتها، وهو ما ينطبق على الكثير من الدول ولكن بأرقام مختلفة.

 

أما على مستوى الثروة، فإن المقارنة المباشرة مع جيل «زد» لا تزال محدودة بسبب صغر سنه.

 

لكن عند جمعه مع جيل الألفية، تشير بيانات  “مجموعة بوسطن” إلى أن الأجيال الشابة الحالية تتقدم أيضاً على الأجيال السابقة. فعند سن 34 عاماً، يبلغ متوسط صافي ثروة جيل الألفية نحو 331 ألف دولار، مقابل 251 ألف دولار لـ«جيل إكس» و229 ألف دولار لـ«جيل طفرة المواليد» في العمر نفسه.

 

لكن المشاعر الاقتصادية تسير في الاتجاه المعاكس.

 

فبعد أربعة عقود كان خلالها الأمريكيون الأكبر سناً أكثر تشاؤماً بشأن الاقتصاد مقارنة بالشباب، انقلب الاتجاه في نحو عام 2025، ليصبح الشباب للمرة الأولى أكثر تشاؤماً من الأكبر سناً.

 

 

وتدعم ذلك نتائج استطلاع حديث أجرته كل من “صوفي” «SoFi» و«YouGov» “يوغوف” وشمل 4090 بالغا؛ إذ قال 62% من جيل «زد» وجيل الألفية إنهم يطمحون إلى التقاعد براحة مالية، لكن 46% فقط يعتقدون أنهم سيتمكنون فعلياً من تحقيق ذلك.

 

مشكلة التوقعات المرتفعة

 

يرى تقرير “مجموعة بوسطن” أن جزءاً من المشكلة يكمن في الفجوة بين الوضع المالي الحقيقي وتوقعات الشباب بشأن مستوى النجاح الذي ينبغي الوصول إليه.

 

وفي استطلاع أجرته مؤسسة “إمباور” «Empower» عام 2024، قال أفراد من جيل «زد» إنهم يحتاجون إلى دخل سنوي يبلغ 600 ألف دولار حتى يشعروا بأنهم ناجحون مالياً، وهو مستوى يضعهم تقريباً عند الشريحة الأعلى من الدخول في الولايات المتحدة، وبشكل عام تبرز رغبة هذا الجيل في حصد دخول أكبر في عمر أصغر حول العالم، وليس في الولايات المتحدة فحسب.

 

وتبلغ قيمة الراتب السنوي الوسيط للعاملين بدوام كامل نحو 60 ألف دولار، ما يكشف اتساع الفجوة بين الواقع والتوقعات.

 

ويصف الباحثون هذه الحالة بأنها نوع من «التشوه المالي»، ويربطونها جزئياً بالتعرض المستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لصور الثروة والرفاهية التي لا تمثل الواقع الاقتصادي لمعظم الناس.

 

وتشير بيانات “صوفي” أيضاً إلى أن 77% من جيل «زد» يعتقدون أنهم قادرون على تأسيس مشروع تجاري، مقارنة بـ58% من الأجيال الأكبر سناً. كما أن 26% منهم استثمروا في العملات المشفرة، أي أكثر من أربعة أمثال نسبة «جيل طفرة المواليد» البالغة 6%.

 

ويملك الشباب كذلك حصة أكبر من أصولهم في الأسهم، وهو ما قد يمنحهم فرصاً أكبر للنمو على المدى الطويل، لكنه يجعل ثرواتهم أكثر تعرضاً لتقلبات الأسواق.

 

ويرى كارلسون-سلزيك أن ارتفاع التعرض للأسهم قد يزيد مخاطر تراجع ثروة جيل «زد» خلال دورات الهبوط، لكنه يعتقد أن الاستثمار طويل الأجل يظل أكثر جاذبية، خصوصاً مع ارتفاع العوائد المتوقعة للأسهم مقارنة بالعديد من فئات الأصول الأخرى.

 

السكن.. العقبة الأكثر وضوحاً

 

إذا كانت أرقام الدخل والثروة تقدم صورة إيجابية نسبياً، فإن سوق الإسكان يمثل نقطة الاحتكاك الأوضح.

 

فشراء منزل بالسعر الوسيط في الولايات المتحدة يحتاج حالياً إلى ما يقرب من 6 سنوات من الدخل الوسيط، مقارنة بنحو 3.5 سنة في عام 1975.

 

لكن التقرير يلفت إلى أن المنزل الجديد الوسيط أصبح أكبر بنحو 50%، ما يعني أن القدرة على تحمل تكلفة السكن بعد احتساب مساحة المنزل لم تتدهور بالقدر الذي توحي به الأرقام الأولية.

 

وتكمن المشكلة، وفق “مجموعة بوسطن”، في أن نحو 90% من الشباب يعيشون حالياً في المدن والضواحي، حيث لا يتم بناء مساكن جديدة بالسرعة الكافية لتلبية الطلب.

 

ويعتقد كارلسون-سلزيك أن تفضيل المدن قد لا يكون دائماً.

 

فالإقبال على الحياة الحضرية يبلغ ذروته في منتصف إلى أواخر العشرينيات، ثم يبدأ كثيرون في الانتقال إلى الضواحي. وبحلول سن 42 عاماً، يكون عدد كبير من جيل الألفية قد انتقل إلى الضواحي، وهو العمر الذي تبدأ فيه معدلات امتلاك المنازل لديهم في اللحاق بجيل “إكس”.

 

 

جيل أكثر ثراءً.. لكن ليس بلا مشاكل

 

لا يقول التقرير إن كل شيء على ما يرام بالنسبة إلى جيل «زد»، بسبب ارتفاع التضخم عالميًا، كما أن بعض أفراد هذا الجيل لن يتجاوزوا دخل آبائهم، كما حدث أيضاً لأفراد من أجيال سابقة.

 

كما يرفض الباحثون اختزال الاقتصاد في فكرة أن الأغنياء يزدادون ثراءً بينما يتراجع الجميع.

 

فمنذ عام 2020، نما أجر أصحاب الدخول في الربع الأدنى بوتيرة أسرع من أصحاب الدخول الأعلى في معظم السنوات، بينما كانت مكاسب الثروة متقاربة نسبياً بين شرائح الدخل.

 

لكن المقارنة مع «جيل طفرة المواليد» تحتاج إلى قدر من الحذر؛ إذ يرى كارلسون-سلزيك أن الازدهار الاستثنائي لذلك الجيل كان مدفوعاً بعوامل يصعب تكرارها، من بينها انتقال الأسر من دخل واحد إلى دخلين مع دخول النساء بأعداد ضخمة إلى سوق العمل، فضلاً عن أن «جيل طفرة المواليد» كان يقارن نفسه بجيل «صامت» خرج من تداعيات الكساد الكبير، ما جعل قاعدة المقارنة التي يبني عليها مدعاة للرضا عن وضعه وليس العكس.

 

في النهاية، لا يرى التقرير أن جيل «زد» يعيش بلا تحديات، بل إن مشكلته قد تكون في بعض الأحيان أنه يقيس وضعه الاقتصادي بمعايير يصعب تحقيقها.

 

ويختصر كارلسون-سلزيك المسألة في «التوقعات المشوهة»، مؤكداً أن فهم التاريخ والتقدم الاقتصادي يمكن أن يساعد الشباب على رؤية واقعهم بصورة أكثر توازناً.

 

وربما لو كان ديكنز حاضراً اليوم، لوجد في جيل «زد» مفارقة تشبه أبطاله: إمكانات حقيقية وثروة متزايدة، لكن طموحات وتوقعات قد تجعل ما تحقق بالفعل يبدو أقل مما هو عليه.

 

المصدر: “ فورتشن”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً