الذهب ورحلة الانطلاق المتأخرة
لو كان الذهب يرتفع بتصويت مؤيديه، لكانت النتيجة محسومة، فالصين تواصل الشراء، والبنوك المركزية تراكم السبائك، والصناديق ما زالت تستقبل الأموال.
لكن شاشة التداول تروي قصة مختلفة؛ المشترون حاضرون، والصعود الذي ينتظرونه يتأخر، ووراء هذا المشهد سؤال أهم من توقع السعر المقبل.
هل تتراكم قوة شرائية تدفع الذهب إلى قفزة كبيرة؟ أم أن المستثمرين يخلطون بين أسباب الاحتفاظ بالمعدن وأسباب ارتفاعه؟
تبدأ القصة من خزائن البنوك المركزية، ففي بيانات نشرها مجلس الذهب العالمي قبل يومين، بلغت مشترياتها الصافية المعلنة 39 طنًا خلال أغسطس، تقدمها بنك الشعب الصيني بإضافة 20 طنًا.
ماذا يعني ذلك؟
– كان أغسطس الشهر الثاني والعشرين على التوالي من المشتريات الصينية، ثم أكدت البيانات المحلية المنشورة يوم الأربعاء استمرار سلسلة المشتريات خلال سبتمبر للشهر الثالث والعشرين، رغم التقلبات الحادة التي شهدتها أسعار الذهب.
– تعني البيانات الأخيرة أن بكين تتعامل مع الذهب ضمن سياسة احتياطيات ممتدة، ويبدو تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على عملة واحدة تفسيرًا لاستمرار الشراء حتى حين تضعف أسعار المعدن النفيس، ودون إشارة إلى ارتفاع قوي محتمل.
– في الطرف الآخر، تتسع دائرة المشترين الماليين، حيث جذبت صناديق الذهب المتداولة والمدعومة بالمعدن فعليًا 10 مليارات دولار خلال سبتمبر، لترتفع تدفقات الربع الثالث إلى مستوى قياسي بلغ 31 مليار دولار.
– زادت حيازاتها 67 طنًا خلال الشهر، وصولًا إلى رقم قياسي قدره 4256 طنًا، لكن في المقابل، انخفضت قيمة أصولها 7% إلى 574 مليار دولار بفعل تراجع سعر المعدن.
– توحي التدفقات بأن جانبًا من المستثمرين يستغل التراجع لبناء حماية أطول أمدًا، فالمخاوف من التضخم والديون وتقلب السندات تجعل الذهب تأمينًا للمحفظة، حتى حين تخسر وثيقة التأمين بعض قيمتها السوقية.
ماذا عن الفائدة والحرب؟
– صحيح أن رهانات رفع الفائدة الأمريكية في أكتوبر تراجعت، حيث تظهر أداة “فيدووتش” احتمالًا قدره 17% فقط لرفعها هذا الشهر، انخفاضًا من أكثر من 70% في وقت سابق، لكن احتمال رفعها في ديسمبر لا يزال قريبًا من 85%.
– في وقت سابق اليوم، قال عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي “كريستوفر والر”، إن زيادات إضافية في تكاليف الاقتراض قد تكون ضرورية لكبح التضخم، وهي تصريحات أيدها زميله “ألبرتو مُسالم” رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس.
– إن احتمال تجاوز اجتماع أكتوبر دون زيادة في أسعار الفائدة لا يضمن انخفاض عوائد السندات طويلة الأجل، التي تتأثر أيضًا بالتضخم والديون والتعويض المطلوب لتحمل المخاطر لسنوات.
– على الجبهة الإيرانية، قال الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، الخميس، إن بلاده لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، وهو تصريح يعزز التهدئة المؤقتة، لكنه لا يساوي تسوية للحرب.
– المخاطر التي تهدد الملاحة والإمدادات مستمرة، حيث بلغ خام “برنت” أكثر من 105 دولارات خلال تداولات الخميس، لذلك لم تختفِ قناة الطاقة التي تنقل أثر الحرب إلى التضخم، ومنها إلى حسابات الفيدرالي.
– للتهدئة تأثيران متعاكسان على الذهب، فتراجع الخوف قد يقلص الطلب على الملاذ الآمن، بينما هبوط النفط (إذا تحقق واستمر) قد يخفف توقعات التشديد، والنتيجة تتوقف على أي القناتين تكون أقوى.
طلب قوي وأسعار ضعيفة
– المفارقة أنه رغم المشتريات الرسمية والتدفقات القوية، أنهى الذهب سبتمبر عند 4176 دولارًا للأوقية، منخفضًا 8.5% بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، وتداول الخميس قرب 4122 دولارًا.
– لم تكن قوة الضغط المقابلة محدودة، فخلال سبتمبر، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لعشر سنوات 53 نقطة أساس إلى 5.3%، وصعد مؤشر الدولار 2%، فازدادت جاذبية العائد المنافس وكلفة الشراء بالعملات الأخرى.
– في سوق العقود الآجلة، انخفض صافي مراكز الشراء لدى مديري الأصول بما يعادل 84 طنًا، وهنا خرج جزء من المال الأسرع حركة، بينما دخل مال أكثر استعدادًا للانتظار.
– لا يصح طرح هذه الكمية حسابيًا من إضافات الصناديق، فالعقود الآجلة والحيازات الفعلية أداتان مختلفتان، لكن اختلاف اتجاههما يوضح لماذا يمكن أن يستمر شراء السبائك بينما يتراجع السعر.
– يتحرك السعر بحسب الصفقات الجارية، لذلك، قد يدفع ارتفاع العوائد بعض المستثمرين إلى بيع الذهب، فينخفض سعره رغم استمرار عمليات الشراء طويلة الأجل، وفي النهاية قد تخفف هذه المشتريات الهبوط دون أن تمنعه.
– حتى ارتفاع العوائد يحمل معنيين: عندما يعكس تشديدًا نقديًا يضغط على الذهب؛ وعندما يعكس خوفًا من استدامة الديون، قد يدفع بعض المستثمرين إلى شرائه، والتحول بين الحالتين يحتاج وقتًا ودليلًا.
إلى أين يمضي السوق؟
– ترجح هذه الأدلة استمرار مسار عرضي مائل إلى الضغط خلال الأسابيع القليلة المقبلة أكثر من انفجار صعودي وشيك، حيث البيانات تؤكد متانة الطلب، لكنها لا تثبت أن السوق انتهت من تصحيحها.
– تزداد فرص الاختراق فقط إذا اجتمعت ثلاثة تحولات: استمرار تدفقات الصناديق، وتراجع مستدام للدولار والعوائد، واستقرار مراكز العقود الآجلة، عندها يمكن للطلب المتراكم أن يلتقي بزخم التداول بدل مقاومته.
– أما بقاء النفط مرتفعًا ورهان التشديد في ديسمبر، فيتركان الباب مفتوحًا لاختبار قيعان جديدة؛ صحيح أن شراء البنوك المركزية يوفر طلبًا داعمًا، لكنه لا يرسم حدًا أدنى مضمونًا للسعر.
– لقد جمع الذهب أصواتًا كثيرة من مؤيديه، لكن الفوز السعري يحتاج تغيرًا في ميزان القوى، والخزائن الممتلئة تمنحه أسبابًا للبقاء في المحافظ؛ أما الانطلاق، فيحتاج أن تخف قبضة الدولار والعوائد المرتفعة عن شاشة التداول.
المصادر: أرقام- المجلس العالمي للذهب- الاحتياطي الفيدرالي- رويترز- أكسيوس- منشورات ترامب- بلومبرج- سي إم إي
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات