التخطي إلى المحتوى

الرحلة القادمة للذكاء الاصطناعي

في يوليو 1969، وقف “نيل أرمسترونج” على سطح القمر، بينما تابع مئات الملايين حول العالم لحظة لم يكن فيها السؤال عن تكلفة الرحلة أو العائد الاقتصادي منها، بل كان الهدف أبسط وأضخم في الوقت نفسه: إثبات أن الإنسان يستطيع تجاوز حدود الأرض.

 

وبعد أكثر من نصف قرن، تغير السؤال، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمن يستطيع الوصول إلى الفضاء، وإنما بمن لديه القدرة على استغلال موارده وتحويله إلى اقتصاد متكامل، تدور فيه الأقمار الصناعية والاتصالات والحوسبة.

 

 

اليوم، وفي قلب هذا التحول، تقف “سبيس إكس” بصاروخ “ستارشيب”، الذي قد لا يكون مجرد وسيلة للوصول إلى المدار، بل بوابة لخفض تكلفة النقل الفضائي وفتح المجال أمام اقتصاد جديد.

 

ليتحول السؤال إلى: إذا أصبح نقل المعدات إلى الفضاء أرخص، فهل يمكن أن تنتقل بعض مراكز الحوسبة نفسها إلى المدار، لتلبية الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي؟

 

ستارشيب في المدار

– اعتمدت “سبيس إكس” لسنوات على “فالكون 9” في نشر أقمار “ستارلينك”، ما جعله العمود الفقري لتوسيع الشبكة قبل دخول “ستارشيب” مرحلة التشغيل المداري، التي قد تفتح للشركة إمكانات أكبر لتسريع بناء بنيتها التحتية الفضائية. 

 

– لكن في وقت سابق هذا الأسبوع، نجحت “سبيس إكس” في إدخال “ستارشيب” إلى المدار خلال الرحلة الرابعة عشرة، ونشرت المركبة 26 قمرًا من الجيل الثالث لشبكة “ستارلينك”، في أول مهمة مدارية تجارية فعلية للصاروخ.

 

 

– تتمثل إحدى أبرز مزايا “ستارشيب” في قدرته على نقل حمولات أكبر بكثير من “فالكون 9″، ما يؤدي إلى خفض تكلفة النقل إلى المدار، ويجعل إطلاق الأقمار ونقل معدات الاتصالات أكثر جدوى اقتصاديًا.

 









الفرق بين صاروخي “فالكون 9″ و”ستارشيب”

المؤشر

فالكون 9

“ستارشيب” بحلول 2027

“ستارشيب” بحلول 2040

حجم الحمولة

(طن)

22.5

150

150

سعر الإطلاق

(مليون دولار)

74

100

63

تكلفة نقل الكيلوجرام للعملاء الخارجيين


(دولار)

3500

667

420

تكلفة نقل الكيلوجرام لمهام الشركة


(دولار)

756

407

173

 

– تكشف المقارنة أن ميزة “ستارشيب” لا تقتصر على زيادة حجم الحمولة، بل تمتد إلى خفض تكلفة نقل المعدات إلى المدار، ما قد يجعل إطلاق الأقمار ومكونات البنية التحتية الفضائية أكثر جدوى اقتصاديًا في المستقبل، إلى جانب دعم أعمال “سبيس إكس”.

 

ماذا تعني الرحلة؟

– أظهرت الرحلة الأخيرة أن “ستارشيب” أصبح قادرًا على الوصول إلى المدار ونشر حمولة تشغيلية، لكن لا يزال هناك تحديات، إذ توقف أحد محركات المركبة خلال الإطلاق، ودفع هذا الخلل الشركة إلى تقليص مدة المهمة من نحو 10 ساعات إلى حوالي 3 ساعات.

 

– تمثل الرحلة خطوة نحو الاعتماد على “ستارشيب” في المهام التجارية، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن تحديات تتعلق بموثوقية المركبة وقدرتها على تنفيذ مهام مدارية أطول، قبل الانتقال إلى عمليات أكثر تعقيدًا.

 

 

الحوسبة في الفضاء

– تعمل “سبيس إكس” على تطوير قمر صناعي مخصص للحوسبة يحمل اسم “AI1“، ويختلف عن أقمار “ستارلينك” التقليدية في تصميمه، إذ لا يعتمد بصورة أساسية على معدات الاتصالات، وإنما يُخصص الجزء الأكبر من قدراته للحوسبة والطاقة والتبريد.

 

– تستهدف الشركة بدء اختبار قدرات الحوسبة في الفضاء بحلول نهاية 2027، قبل الانتقال إلى نشر البنية التحتية على نطاق أكبر اعتبارًا من عام 2028، بحسب خطط الشركة التي ذكرتها في ملف الطرح.

 

– تضع الشركة “ستارشيب” في قلب خطتها للتوسع في الحوسبة المدارية، لكن الطريق ليس ورديًا، إذ ترى الشركة أن الوصول إلى هدفها طويل الأجل لنشر 100 جيجاواط من قدرات الحوسبة سنويًا سيتطلب آلافًا من عمليات الإطلاق ونقل نحو مليون طن من الحمولة إلى المدار كل عام.

 

هل هناك طلب؟

– يشهد قطاع التكنولوجيا توسعًا سريعًا في الطلب على قدرات الحوسبة، الأمر الذي يدفع الشركات إلى ضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، لكن التوسع على الأرض يواجه قيودًا متزايدة تتعلق بتوفير الكهرباء والأراضي والبنية التحتية اللازمة.

 

 

– هنا تراهن شركات الفضاء على نقل جزء من هذه البنية إلى المدار، حيث يمكن للأقمار الاعتماد على الطاقة الشمسية وتجنب بعض قيود مراكز البيانات الأرضية، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن الحوسبة في الفضاء ستكون أرخص في الوقت الحالي.

 

– حيث تقدر دراسة لـ”بوسطن كونسلتنج جروب” أن مراكز البيانات الفضائية ستستحوذ على 10% إلى 15% من سوق حوسبة الذكاء الاصطناعي عالميًا بحلول 2040، بما يعادل 240 إلى 320 مليار دولار من الإيرادات السنوية.

 

– تُعد “سبيس إكس” المستفيد الأكبر من هذا التوسع المحتمل، إذ تهيمن على سوق الإطلاق؛ فقد نفذت الشركة 165 عملية إطلاق مدارية لصاروخ “فالكون 9” في 2025، مثلت أكثر من نصف عمليات الإطلاق عالميًا، كما نقلت أكثر من 80% من الكتلة التي وصلت إلى المدار.

 

رهان الـ12 تريليون

– ترى “سيتي” أن نجاح الرحلة الرابعة عشرة لـ”ستارشيب” يقرب “سبيس إكس” من الاستفادة الكاملة من إمكانات أعمالها في الذكاء الاصطناعي والاتصالات، مع توقع ارتفاع إيراداتها إلى 484 مليار دولار في 2030، قبل أن تقترب من تريليون دولار في 2031.

 

 

– بناءً على هذه التقديرات، قال محللو “سيتي” في مذكرة، إن هناك إمكانية لوصول سعر سهم الشركة إلى 900 دولار على المدى الطويل، أي ارتفاع القيمة السوقية للشركة إلى 12.2 تريليون دولار، مقارنة بتريليوني دولار حاليًا.

 

– في النهاية، وبينما كان الوصول إلى القمر قبل أكثر من نصف قرن إنجازًا يُقاس بقدرة الإنسان على تجاوز حدود الأرض، أصبح النجاح اليوم يُقاس بقدرته على تحويل الفضاء إلى بنية تحتية قابلة للاستخدام التجاري.

 

– لكن قدرة “سبيس إكس” على تحويل جزء من البنية التحتية للحوسبة إلى الفضاء، لا تقتصر على تطوير صاروخ “ستارشيب” فقط، بل على إثبات أن نقل مراكز الحوسبة في المدار يمكن أن يصبح نموذجًا قابلًا للتوسع مع انخفاض أسعار الرحلات وتكاليف الصيانة وكفاءة أنظمة التبريد.

 

المصادر: أرقام – رويترز – سبيس إكس – بيتش بوك – سي إن إن – ماركت ووتش – سي إن بي سي – تيك كرانش – بوسطن كونسلتنج جروب

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً