التخطي إلى المحتوى

اقتصاد الإرهاق .. حين يتحول الإجهاد البشري إلى فرص استثمارية

الساعة 2:30 بعد منتصف الليل، ومع ذلك لا يزال ضوء هاتف “روبرت سميث” ينعكس على وجهه بينما يمرر إصبعه للمرة المئة على شاشة لا تمنحه الراحة ولا تسمح له بالتوقف، رغم انتهاء عمله منذ ساعات.

 


ولا يكتفي “سميث” بالرد على إشعارات (سلاك)، وتفقد بريده الإلكتروني رغم إرهاقه، بل ينتقل بدافع الملل إلى تطبيق “تيك توك” بلا وعي بحثًا عن دقيقة من المرح والاسترخاء لتتحول إلى ساعة أخرى من الاستنزاف.


وفي الصباح، يشتري “سميث” قهوته المعتادة ليكون أكثر انتباهًا في محاولة لمواجهة الإجهاد الذي يثقله، وربما يشترك في تطبيق للتأمل أو ساعة ذكية تراقب نومه المضطرب، ليتحول من مجرد مستخدم مرهق في العصر الرقمي، إلى فرص كامنة للاستثمار والأرباح.


فتعبه يدر أرباحًا على شركات الإعلانات، وضغطه يغذي اشتراكات الإنتاجية، وأرقه يفتح سوقًا جديدًا لتقنيات “التعافي” ومتابعة النوم.


في اقتصاد اليوم، لم يعد الإرهاق مشكلة تحتاج إلى حل فقط… بل أصبح أصلًا يُستثمر فيه.


وبعد أن كان يُنظر إلى الإرهاق باعتباره أحد تكاليف الرأسمالية الصناعية وعاملًا يحدّ من الإنتاجية يجب تقليصه، تمكن الاقتصاد الرقمي من تحويله إلى نموذج للربح، وحالة قابلة للتسويق والاستثمار.


كل ساعة يقضيها المستخدم في التصفح المرهق قبل النوم، وكل عامل مستقل يقبل مهمة إضافية رغم الإنهاك، وكل موظف مرهق يشترك في عمليات إنتاجية جديدة، جميعهم يغذون منظومة باتت فيها شركات التكنولوجيا تربح ليس رغم التعب، بل بسببه.


حين يصبح الاستنزاف محركًا لأرباح المنصات الكبرى


يجسد هذا التحول واحدة من أبرز مفارقات القرن الحادي والعشرين، فالمنصات التي تعد بالكفاءة، والتواصل، والراحة، كثيرًا ما تساهم في تعميق الضغط الذهني، وتشتيت الانتباه، والاستنزاف العاطفي، ثم تعيد تحقيق الأرباح من المشكلة نفسها ومن الحلول الجزئية لها.


كما تمكنت شركات التواصل الاجتماعي من تحويل الإرهاق الذهني إلى عوائد إعلانية، وشركات البرمجيات الخدمية تستفيد من ضغوط العمل عبر اشتراكات متكررة، بينما باتت شركات تقنيات الصحة والرفاهية تُسوق الراحة نفسها كمنتج.


فعلى سبيل المثال، حققت شركة ميتا بلاتفورمز إيرادات بلغت أكثر من 200 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025، منها نحو 196 مليار دولار من الإعلانات وحدها، وهي عوائد تعتمد بدرجة أساسية على جذب انتباه المستخدمين وإبقائهم داخل المنصة لأطول وقت ممكن.

 


كما ارتفع عدد مرات ظهور الإعلانات لدى ميتا بنسبة 12% على أساس سنوي، وزاد متوسط سعر الإعلان بنسبة 9%، ما يعكس بوضوح كيف تحوّل المزيد من الوقت على الشاشة إلى أرباح أكبر.


وفي المقابل، سجلت مايكروسوفت إيرادات بلغت 281.7 مليار دولار أمريكي في سنتها المالية 2025، مدفوعة بتوسع خدمات مايكروسوفت 365 التي استفادت من حاجة الأفراد والشركات لإدارة بيئات عمل أكثر ضغطًا وتعقيدًا.


ويعكس ذلك كيف أن المنصات الرقمية الكبرى تعتمد بشكل متزايد على تعظيم وقت المستخدم، وتكرار التفاعل، وصناعة العادة الرقمية حتى لو أدى ذلك إلى إنهاك المستخدم نفسيًا.


فخاصية التمرير اللانهائي، وتشغيل الفيديو التلقائي، والإشعارات المستمرة، والخوارزميات المصممة بدقة لزيادة التفاعل… ليست مجرد أدوات تقنية، بل محركات ربح.


ووصل عدد المستخدمين النشطين يوميًا ضمن عائلة تطبيقات ميتا إلى 3.58 مليار مستخدم بحلول ديسمبر 2025، وهو ما يعكس نجاحًا هائلًا في إبقاء الأفراد داخل دوائر الاستهلاك الرقمي المستمر.


هذا النموذج لا يقتصر على ميتا فقط، بل يمتد إلى تيك توك، ويوتيوب، وإكس، وغيرها من المنصات التي تعتمد على “الوقت المستغرق” كمؤشر اقتصادي رئيسي لجذب المعلنين.


وكلما أصبح المحتوى أكثر إثارة أو إنهاكًا أو قدرة على تحفيز ردود الفعل، زادت فرص تحقيق الإيرادات.


مكاسب البرمجيات من الضغط المهني 


مع تحول بيئات العمل إلى نماذج هجينة أو رقمية بالكامل، ظهرت شركات التكنولوجيا كحلول للإنتاجية، لكنها في الوقت نفسه استفادت من تعقيد وضغط العمل الحديث، مما تسبب في تفاقم الإرهاق المهني.


وحققت وحدة الإنتاجية والعمليات التجارية لدى مايكروسوفت 120.8 مليار دولار أمريكي خلال السنة المالية 2025، مدفوعة بخدمات مثل تيمز، وأوتلوك، وورد، وإكسل، وغيرها من أدوات مايكروسوفت 365.

 


هذه الأدوات وُجدت لتحسين الكفاءة، لكنها ساهمت أيضًا في ترسيخ ثقافة “العمل الدائم”، حيث أصبح الموظف متصلًا باستمرار عبر الاجتماعات، والرسائل، والتنبيهات، ولوحات المتابعة.


هذا ما يُعرف أحيانًا بـ”فخ الإنتاجية”؛ أي أن الأدوات المصممة لتوفير الوقت قد تتحول إلى أدوات تستهلك المزيد منه.


وهو ما يلقي الضوء على جانب أكثر إثارة في اقتصاد الإرهاق فيما يعرف بـ”المفارقة الإنتاجية”.


فرغم استثمار تريليونات الدولارات في الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، وأدوات الاتصال، لا يزال نمو الإنتاجية العالمي هزيلًا، ويرجع ذلك إلى التكلفة الباهظة للاحتراق الوظيفي.


ويقدر تقرير لمؤسسة جالوب حول العمل العالمي لعام 2026 أن ضعف ارتباط الموظفين بالعمل والاستنزاف المرتبط به كلف الاقتصاد العالمي حوالي 10 تريليونات دولار أمريكي من الإنتاجية المفقودة في عام 2025، أي نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.


وبالنسبة لشركة متوسطة تضم 1,000 موظف، تبلغ التكلفة المباشرة للإرهاق (المقاسة من خلال فك الارتباط، وتكاليف الرعاية الصحية، ومعدل دوران الموظفين) حوالي خمسة ملايين دولار أمريكي سنويًا.


وهذا يخلق خطرًا نظاميًا على الاقتصاد العالمي؛ فعندما يُفقد 9% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الاستنزاف النفسي والجسدي للقوى العاملة، فإن مكاسب شركات التكنولوجيا في قطاعات النوم والعافية جاء جزء منها على حساب صحة الإنسان.


وعلاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لسد “فجوة القدرة” قد يؤدي لنتائج عكسية؛ فبينما تستغل الشركات “المنتجات الرقمية” لتوسيع القدرة، يجد العمال البشريون المتبقون أنفسهم يديرون تدفقًا لا ينقطع من مخرجات الذكاء الاصطناعي.


هذا يؤدي إلى شكل جديد من الاحتراق الوظيفي الناجم عن الذكاء الاصطناعي.


ويسلط تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2026 الضوء على أنه في حين أن مكاسب الإنتاجية معتدلة في الاقتصادات مرتفعة الدخل، إلا أنها تتعطل بسبب عجز العمال عن الانتقال إلى أدوار ذات إنتاجية أعلى جراء قيود متعلقة بإرهاقهم الشديد.


وهو ما يجعل الاقتصاد الحديث أشبه بمحرك عالي الأداء يعمل بوقود منخفض الجودة؛ فهو يتحرك بسرعة، لكنه يعاني من فرط السخونة.


من صناعة الإرهاق إلى بيع الراحة


ومع ظهور منصات النقل والتوصيل والعمل المستقل التي غالبًا ما تستخدم أنظمة تحفيز خوارزمية تشجع الأفراد على العمل لساعات أطول، أو مطاردة أوقات الذروة، أو قبول المزيد من المهام لتحقيق دخل أفضل.

 


يظهر في المقابل سوق موازٍ، وهو سوق التعافي، فمع ارتفاع مستويات الضغط والإرهاق عالميًا، نمت تطبيقات التأمل، وتتبع النوم، والساعات الذكية لمتابعة المؤشرات الصحية، ومنصات اللياقة الرقمية.


وأصبحت شركات مثل أبل، وغوغل، وغيرها من شركات الأجهزة القابلة للارتداء، لم تعد تبيع التكنولوجيا فقط، بل تسوّق أيضًا حلولًا لإدارة التعب والإرهاق مثل مراقبة النوم، وقياس مستوى التوتر، والتنفس، والصحة الذهنية وحولتها لمنتجات تجارية.


وهكذا نشأت حلقة اقتصادية مغلقة، تتمثل في تكنولوجيا تساهم في الاستنزاف، ثم التسويق لبيع أدوات التخفيف منه، ليصبح التعب عملة ذات وجهين، استنزاف من جهة، ثم تعافٍ مدفوع الثمن على الجانب الآخر.


وفي حين كانت الاقتصادات الصناعية تعتمد على استثمار الجهد البدني، باتت الاقتصادات الرقمية تستفيد من الاستنزاف الذهني، والتشتت، والإجهاد العاطفي.


بالطبع شركات التكنولوجيا ليست وحدها المسؤولة عن إرهاق العصر، لكنها نجحت بوضوح في بناء نماذج أعمال تستفيد من ديناميكياته.


في نهاية المطاف، هذا لا يعني أن التكنولوجيا شرًا محضًا، فهي تقدم أيضًا قيمة حقيقية وفرصًا كبيرة، لكن اقتصاديًا، الحقيقة واضحة: الإرهاق لم يعد مجرد نتيجة جانبية… بل أصبح في كثير من الأحيان نموذجًا ربحيًا.


وتظل الحقيقة الاقتصادية التي تفرض نفسها في عام 2026 هي أن “الراحة” أصبحت سلعة فاخرة، و”النوم” بات استثمارًا مكلفًا.


وفي عالم يحاول تسليع كل نبضة قلب وكل دقيقة صمت، قد يكون الابتكار الحقيقي الوحيد هو امتلاك الوعي الكافي لإغلاق الشاشة والخلود إلى النوم..دون أن يتقاضى أحد عمولة على ذلك.


المصادر: أرقام- مؤسسة جالوب- ميتا بلاتفورمز- مايكروسوفت- منظمة الصحة العالمية- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً