التخطي إلى المحتوى

حفاضات في ساحة حرب

شهد قطاع التجارة الإلكترونية في العقد الماضي واحدة من أشرس معارك “كسر العظم”.

 

والمثير للدهشة أنها لم تكن تدور حول تكنولوجيا الفضاء أو الذكاء الاصطناعي، بل حول “حفاضات الأطفال”.

 

هي قصة صعود شركة تجرأت على منافسة أحد اللاعبين الكبار، لتجد نفسها محاصرة بين خياري الاستسلام أو الفناء، في صراع شخصي وتجاري مرير تحت مظلة الرأسمالية.

 

وبينما كان المستهلكون يستمتعون بخصومات كبرى، كانت خلف الكواليس حرب استنزاف باردة، انتهت بصفقة “إذعان” مشوبة بالخوف، بدت في ظاهرها اقتصادية وهي في باطنها رسالة انتقام مشفرة.

 

 

كيف انطلقت “ديابرز دوت كوم” في عالم التجارة؟

تأسست الشركة عام 2005 على يد “مارك لور” و”فينيت بهارارا” تحت اسم “1800Diapers” قبل أن تتحول إلى “كويدسي-Quidsi” التي أدارت لاحقاً شبكة من المواقع المتخصصة مستهدفة الهيمنة على قطاع السلع الاستهلاكية سريعة الدوران.

 

تخصصت المنصة في بيع مستلزمات الرضع من حفاضات ومناديل مبللة بأسعار تنافسية وشحن سريع، وتوسعت لاحقاً لتشمل الملابس والألعاب تحت شعار توفير الراحة للأمهات، ما جعلها الخيار الأول لهن في أمريكا.

 

ما دور الاستخبارات في الشركات؟

تمتلك “أمازون” وحدة استخبارات تنافسية سرية مهمتها شراء كميات ضخمة من سلع المنافسين لتحليل نماذج أعمالهم، ورصدت هذه الوحدة صعود كويدسي”.

 

تم تكليف “جيف بلاكبيرن”، مدير الاندماج والاستحواذ في “أمازون”، ببدء جولات استطلاعية تحت ستار التعاون التقني، بينما كانت البيانات تُستخدم لتجهيز خطة الهجوم السعري.

 

لماذا شعرت “أمازون” بالخطر من شركة ناشئة؟

لاحظ “جيف بيزوس” ولاء العملاء الشديد للموقع وقدرته على تكرار الطلبات بانتظام، ما هدد حصة “أمازون” السوقية.

 

رفض مؤسسو الشركة العروض الأولية للاستحواذ، ما دفع “أمازون” لشن هجوم تجاري شرس لكسر إرادتهم، حيث قدر المحللون أن “أمازون” كانت مستعدة لخسارة 100 مليون دولار خلال ربع واحد فقط في فئة الحفاضات.

 

كيف استخدمت “أمازون” سلاح التسعير لسحق المنافس؟

خفضت “أمازون” أسعار الحفاضات بنسبة 30% واستخدمت خوارزميات “بوتات” التسعير لمطابقة أي خفض سعري تقوم به “كويدسي” فورًا.

 

أدى هذا التنافس المحموم إلى نزيف مالي لـ “كويدسي” وتوقف المستثمرين عن ضخ أموال جديدة خوفًا من تعميق الخسائر.

 

 

ماذا حدث في كواليس اجتماع سياتل؟

أطلقت “أمازون” خدمة “أمازون موم” بخصومات هائلة في نفس اليوم الذي اجتمع فيه مؤسسو “كويدسي” معها للتفاوض.

 

كان الهدف من التوقيت هو إرسال رسالة مفادها أن “أمازون” مستعدة لخسارة الملايين لضمان خروجهم من السوق.

 

لماذا فضلت “كويدسي” البيع لـ “أمازون” بدلاً من “وول مارت”؟

هددت “أمازون” بخفض أسعار الحفاضات إلى “الصفر” إذا حاولت الشركة البيع لـ “وول مارت” المنافس التقليدي لها.

 

وافق مجلس إدارة “كويدسي” على عرض “أمازون” بدافع الخوف من تدمير القيمة الكلية للشركة تمامًا، رغم وجود عرض مضاد من “وول مارت” بقيمة 600 مليون دولار.

 

 

ما هي قيمة صفقة الاستحواذ الكبرى؟

بلغت قيمة الصفقة النهائية نحو 545 مليون دولار نقدًا لحاملي الأسهم، بالإضافة إلى تحمل “أمازون” لـ 45 مليون دولار من الديون والالتزامات المالية.

 

تمت الصفقة رسميًا في ديسمبر 2010، مع وعد ببقاء “كويدسي” وحدة مستقلة تحت إدارتها الأصلية لفترة.

 

 

كيف كانت علاقة “مارك لور” بـ “أمازون” بعد البيع؟

لم يستمتع “لور” بالعمل تحت مظلة “أمازون” وغادرها بمجرد انتهاء فترة التزامه التعاقدي التي استمرت 3 سنوات.

 

قرر “لور” بناء إمبراطورية جديدة تتحدى “أمازون” مباشرة، ما أشعل فصلاً جديدًا من الصراع الشخصي والتجاري.

 

كيف انتقم مؤسس “ديابرز” من “جيف بيزوس” لاحقًا؟

أسس “لور” موقع “جيت دوت كوم” عام 2014، والذي نجح في استقطاب استثمارات ضخمة لمنافسة نموذج عمل “أمازون”.

 

في عام 2016، استحوذت “وول مارت” على “Jet.com” مقابل 3.3 مليار دولار، وعينت “لور” رئيسًا لتجارتها الإلكترونية.

 

لماذا قررت “أمازون” تصفية “كويدسي” نهائيًا في 2017؟

أعلنت “أمازون” إغلاق جميع مواقع “كويدسي” بدعوى فشلها في تحقيق أرباح رغم الجهود المستمرة طوال 7 سنوات.

 

تسبب القرار في تسريح 263 موظفًا ونقل كافة العمليات والبيانات إلى المنصة الرئيسية “أمازون دوت كوم”، وشكك موظفو “كويدسي” في رواية “عدم الربحية”، وسادت نظرية بأن الإغلاق كان “انتقاماً استراتيجياً” لانضمام “لور” إلى “وول مارت”.

 

 

نهاية المطاف

تُعد قصة “Diapers.com” دراسة حالة كلاسيكية في “رأسمالية الأرض المحروقة”، حيث لم يكن الاستحواذ يهدف للتوسع بقدر ما كان يهدف لتحييد خطر داهم.

 

إن نجاح “أمازون” في إجبار “كويدسي” على البيع عبر حرب أسعار مدروسة يطرح تساؤلات أخلاقية واقتصادية حول حدود الهيمنة في العصر الرقمي، وسيذكر التاريخ الصفقة كواحدة من أشرس عمليات القتل العمد لعلامة تجارية.

 

وفي النهاية، هل تجاوزت كبرى الشركات مرحلة المنافسة التقليدية لتصبح هي البنية التحتية للسوق ذاته، حيث تتلاشى المنافسة العادلة، وتفرض الخوارزميات سيادتها كمرجعية وحيدة تقرر مصير الداخلين الجدد إلى المنظومة؟

 

المصادر: أرقام – سي إن بي سي – ماي توتال ريتيل – سليت – أستون بيبي – أوول ثينجز دي – فوكس – كولابوريتيف جين – زد نت 

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً