التخطي إلى المحتوى

ومن وفرة الموارد انتقل النقاش إلى السؤال الأهم: كيف تتحول الثروة الطبيعية إلى تنمية داخل القارة نفسها؟

ودخل الماء بدوره إلى المعادلة. فتحلية مياه البحر تحتاج إلى الطاقة، والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر يحتاجان إلى الماء، فيما يجعل تغير المناخ والنمو الديموغرافي والتوسع الحضري الأمن المائي قضية تتجاوز البيئة إلى الاقتصاد والاستقرار.

ومن التجربة المغربية في تحلية مياه البحر والطاقات المتجددة، امتد النقاش إلى الربط الكهربائي مع أوروبا وأفريقيا، والمبادرة الأطلسية لدول الساحل، ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وصولاً إلى أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب. مشاريع مختلفة، لكنها تلتقي عند حقيقة أن الموانئ والطرق والأنابيب وشبكات الكهرباء أصبحت جزءاً من لغة الجغرافيا السياسية الجديدة.

ومع ذلك، لا تسمح أصيلة للأسئلة الكبرى بأن تنتزع منها روحها الأولى.

خارج قاعات النقاش تبقى المدينة وفية للفن الذي صنع جانباً من شهرتها. على جدرانها تتجاور أعمال أجيال من الفنانين، وفي فضاءاتها تحضر المعارض والفنون التشكيلية والحفر والصباغة والليتوغرافيا، إلى جانب الأدب والشعر والموسيقى وورش الأطفال.

وتحضر الذاكرة الفنية أيضاً من خلال ندوة مخصصة لتوني ماري، أحد الأسماء التي واكبت المشهد التشكيلي وموسم أصيلة منذ بداياته، في حوار حول إرثه وعلاقته بالمشهد التشكيلي العربي.

هكذا يصبح المشي بين فعاليات الموسم أشبه بالمشي داخل شخصية أصيلة نفسها: تبدأ من لوحة فتصل إلى أفريقيا؛ تدخل ندوة عن الماء ثم تخرج إلى جدار رسمه فنان؛ تستمع إلى حديث عن الجغرافيا السياسية، وعلى بعد خطوات ينتظر طفل دوره ليضع أول لون على ورقة.

وتقام الدورة في ظل الرعاية التي يوليها العاهل المغربي الملك محمد السادس للموسم وللمبادرات الثقافية والفنية، بما منح مثل هذه الفضاءات قدرة على الاستمرار وعزز حضور المغرب كمساحة للحوار الثقافي والفكري بين محيطه العربي والأفريقي والدولي.

وبعد سبعة وأربعين موسماً، لا يُقاس أثر أصيلة بعدد المقاعد الممتلئة داخل قاعة، بل حين يصبح اسم مدينة مرتبطاً بفكرة، وتتحول الجداريات إلى جزء من هويتها، ويعود إليها الضيوف جيلاً بعد جيل.

وفي موسم أصيلة شيء من ملامح زمن ثقافي جميل؛ زمن كان فيه المثقف والشاعر والروائي والفنان يجتمعون حول طاولة واحدة، فتبدأ الفكرة في قاعة وتكمل حياتها في حديث جانبي أو مشي بين الأزقة. زمن كانت فيه قيمة اللقاء فيما يتركه من أثر، لا في عدد المشاهدات التي يحصدها.

وليس المقصود استعادة الماضي بحنين رومانسي. فالعالم تغير وأدوات المعرفة معه. نحن في زمن المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وهذه ثورة لا يمكن للثقافة أن تقف خارجها. لكن كلما أصبح إنتاج المحتوى أسهل، أصبحت أصالة الفكرة أصعب وأثمن، وكلما أتقنت الخوارزميات محاكاة اللغة والصورة، ازدادت الحاجة إلى التجربة والذاكرة والخيال والاختلاف وإلى الإنسان الذي يصنع السؤال قبل أن يبحث عن الإجابة.

فالآلة تستطيع أن توسع أدوات المعرفة بصورة مذهلة، لكنها لا تجعل الإرث الثقافي قابلاً للاستغناء عنه. وهنا يصبح توارث موسم أصيلة أكثر من توارث مهرجان؛ إنه توارث لقيمة الحوار واحترام الكلمة ومكانة الأدب والفن.

محمد بن عيسى أشعل الشعلة، ومن جاء بعده يحمل مسؤولية ألا تنطفئ. وبين ذاكرة المؤسس وجهد حاتم البطيوي ومن يعملون معه، تواصل أصيلة فتح أبوابها للعالم من دون أن تفقد ملامحها.

وتستحق هذه الاستمرارية كلمة تقدير وامتنان لحاتم البطيوي ولكل القائمين على موسم أصيلة الثقافي الدولي، ممن يواصلون إحياء روح الثقافة والفكر الأصيلين. ففي تفاصيل التنظيم واللقاءات والندوات والفنون، يستعيد الزائر شيئاً من زمن الفكر الهادئ والمعلومة القيّمة؛ حين كان الحوار مساحة للإنصات والتأمل، والثقافة لقاءً إنسانياً قبل أن تكون حدثاً عابراً.

وعندما يهبط المساء على المدينة القديمة، ويهدأ صخب الندوات، وتبقى الجداريات في مواجهة نسيم الأطلسي، يبدو سر هذا العرس الأصيلي أوضح:

في عالم يزداد فيه الفكر الاصطناعي قدرة، تصبح المحافظة على الفكر الإنساني الأصيل ثروة. وربما لهذا نحتاج أصيلة وأمثالها أكثر، لا أقل؛ كي تتطور الأدوات من حولنا، من دون أن يفقد الإنسان جوهره في الطريق.

التعليقات

اترك تعليقاً