
بعث مسؤولان بارزان في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برسالة واضحة إلى الأسواق، مفادها أن البنك المركزي لا يحتاج إلى التعجل في رفع أسعار الفائدة مجددًا، وأن أمامه وقتًا لتقييم أداء الاقتصاد قبل اتخاذ قرار جديد.
وجاءت تصريحات نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي فيليب جيفرسون، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، بفارق يومين، ليؤكدا أهمية انتظار المزيد من البيانات الاقتصادية قبل تحديد الخطوة المقبلة بشأن الفائدة الأمريكية.
وقال ويليامز، خلال فعالية بجامعة بوفالو، إنه لا توجد حاجة ملحة إلى تغيير موقف السياسة النقدية، مشيرًا إلى أن تراكم المزيد من البيانات سيساعد مسؤولي البنك على تحديد المستوى المناسب لأسعار الفائدة.
وبعد يومين، قدم جيفرسون رسالة مشابهة، مؤكدًا أن أي تعديلات مستقبلية على السياسة النقدية يجب أن تستند إلى دراسة اتجاهات البيانات والتوقعات الاقتصادية وتوازن المخاطر، مضيفًا أن مسؤولي البنك قد يحتاجون إلى مزيد من الوقت قبل الوصول إلى قرارهم.
رسالة واحدة من مسؤولين بارزين
ورغم عدم وجود ما يشير إلى تنسيق مسبق بين جيفرسون وويليامز، فإن تصريحات المسؤولين جاءت متقاربة بشكل لافت.
ويتمتع ويليامز بأهمية خاصة داخل الاحتياطي الفيدرالي، فهو رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وله حق تصويت دائم على قرارات السياسة النقدية، كما يشغل تقليديًا منصب نائب رئيس اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة.
أما جيفرسون، فيشغل منصب نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، ما يجعل تصريحاته ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى المستثمرين عند تقييم المسار المحتمل للسياسة النقدية.
ويرى محللون أن اجتماع تصريحات المسؤولين خلال أيام قليلة عزز الرسالة التي وصلت إلى الأسواق، وهي أن الاحتياطي الفيدرالي لا يرى ضرورة لرفع الفائدة في كل اجتماع متتالٍ.
وقال مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين المختصين بالاقتصاد الأمريكي لدى «جيه بي مورجان تشيس»، إن الرسالة التي حملها الخطابان تتمثل في أن البنك ليس مضطرًا إلى الاستمرار في رفع الفائدة خلال كل اجتماع، ويمكنه توزيع الزيادات على فترة أطول.
الأسواق تتراجع عن توقعات رفع الفائدة
انعكست تصريحات جيفرسون وويليامز سريعًا على توقعات المستثمرين بشأن الاجتماع المقبل للاحتياطي الفيدرالي.
وقبل حديث ويليامز، كان المتعاملون يرون احتمالًا يبلغ نحو 70% لرفع الفائدة خلال اجتماع 27 و28 أكتوبر، وفق تسعير العقود الآجلة لأموال الاحتياطي الفيدرالي.
لكن هذه التوقعات تراجعت إلى نحو 25% بعد خطاب جيفرسون، بالتزامن مع صدور بيانات تضخم جاءت أقل من المتوقع.
وتشير هذه التحركات إلى مدى تأثير تصريحات كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي على الأسواق، حتى في ظل تأكيد البنك أن قراراته ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية.
رفع الفائدة ما زال مطروحًا
ولا تعني تصريحات جيفرسون وويليامز أن الاحتياطي الفيدرالي قرر التخلي عن رفع أسعار الفائدة مجددًا.
فالمسؤولون ما زالوا يحذرون من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، بينما تشير التوقعات إلى إمكانية إجراء زيادة أخرى في أسعار الفائدة قبل نهاية العام.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، في أول زيادة منذ عام 2023، لتصل إلى نطاق بين 3.75% و4%.
وأظهرت التوقعات الصادرة عقب القرار أن مسؤولي البنك كانوا يتوقعون زيادة إضافية واحدة على الأقل خلال العام.
لكن توقيت هذه الزيادة أصبح محل نقاش، خصوصًا بعد تصريحات المسؤولين الأخيرة التي شددت على ضرورة انتظار المزيد من البيانات.
التضخم يحدد الخطوة المقبلة
يبقى التضخم أحد أهم العوامل التي ستحدد موقف الاحتياطي الفيدرالي خلال الاجتماعات المقبلة.
وتترقب الأسواق بيانات أسعار المستهلكين المقرر صدورها في 14 أكتوبر، قبل اجتماع البنك في نهاية الشهر، إلى جانب بيانات سوق العمل والنمو والإنفاق الاستهلاكي.
وتحظى هذه البيانات بأهمية خاصة لأن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي يريدون التأكد من اتجاه التضخم قبل اتخاذ قرار جديد بشأن الفائدة الأمريكية.
وأظهرت بيانات حديثة أن التضخم وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي ارتفع بنسبة 3.4% على أساس سنوي في أغسطس، وهو مستوى لا يزال أعلى من هدف البنك البالغ 2%.
اختلاف بين مسؤولي الفيدرالي
وفي الوقت الذي دعا فيه جيفرسون وويليامز إلى التريث، لا يتفق جميع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي على سرعة التحرك المقبلة.
فقد قالت لوري لوغان، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، إن هناك حاجة على الأرجح إلى زيادات إضافية في أسعار الفائدة لإعادة التضخم إلى هدف البنك البالغ 2%.
كما أشار نيل كاشكاري، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، إلى أنه لا يملك موقفًا حاسمًا بشأن توقيت الزيادة المقبلة، لكنه يرى في توقعاته الأساسية إمكانية رفع الفائدة مرة أخرى هذا العام.
وفي المقابل، قالت ميشيل بومان، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، إنه لا توجد حاجة ملحة لتحريك أسعار الفائدة مجددًا.
ويعكس هذا التباين استمرار النقاش داخل البنك المركزي الأمريكي حول أفضل توقيت لأي زيادة مقبلة، في ظل محاولة تحقيق التوازن بين خفض التضخم والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي وسوق العمل.
الفيدرالي يترك القرار للبيانات
وتأتي تصريحات جيفرسون وويليامز في وقت يحاول فيه رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش تجنب تقديم إشارات مباشرة بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة.
وبدلًا من تقديم توجيهات واضحة للأسواق، يركز مسؤولو البنك على أهمية متابعة البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ أي قرار.
وبالنسبة إلى المستثمرين، فإن الرسالة الأبرز من تصريحات المسؤولين هي أن رفع الفائدة الأمريكية ليس قرارًا تلقائيًا في الاجتماع المقبل، وأن البنك مستعد لمنح نفسه مزيدًا من الوقت لتقييم التضخم والنمو وسوق العمل قبل تحديد الخطوة التالية.
وتظل بيانات التضخم والوظائف المرتقبة خلال الأسابيع المقبلة العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى رفع الفائدة مجددًا أم سيواصل التريث.

التعليقات