التخطي إلى المحتوى

دمشق ـ تشهد أعمال ترميم وتأهيل قلعة بصرى الشام الأثرية ومحيطها في درعا تقدما ملحوظا، بهدف الحفاظ على قيمتها التاريخية والمعمارية وحمايتها، بالتوازي مع اقتراب أعمال ترميم مدرسة أبي الفداء الأيوبية من مراحلها النهائية.

ويسلط هذا التأهيل العمراني للمواقع المسجلة على لوائح التراث العالمي لليونسكو الضوء على أوابد أثرية فريدة بالمدينة تقبع في طي النسيان، وتحتاج إلى تأهيلها لإبراز قيمتها التاريخية والمعمارية.

وبين أزقة المدينة القديمة مازال هناك معالم أثرية فريدة تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية البصرية والتاريخية لبصرى، وتنتظر دورها في خطط التأهيل، وفي هذا السياق أكد رئيس ديوان دائرة آثار بصرى الشام جاد الله الإبراهيم في تصريح لوكالة الانباء السورية (سانا) على المكانة التاريخية للمدينة، بوصفها درة الجنوب وواحدة من أهم المدن العالمية التي تحوي الكثير من المعالم لحضارات متعاقبة.

وأضاف،  إن الحركة السياحية الداخلية والخارجية لازالت تتركز بشبه كامل على القلعة والمسرح ودير الراهب بحيرا وبركة الحاج ومسجد مبرك الناقة، في حين يشهد مسار الزيارات إغفالاً للعديد من الأوابد مثل حمام منجك والكاتدرائية الكبرى والبركة النبطية التي شيدت قبل الميلاد وبابي المدينة الغربي (باب الهوى) والنبطي الشرقي، وقصري تراجان ورئيس الأساقفة وخان الدبس وقوس النصر والسوق الأرضي والشارع المستقيم وبناء المعسكر الروماني.

واستعرض الإبراهيم المنعطفات التاريخية التي مرت بها المدينة وأدت لخروجها من الخريطة السياحية منذ عام 2011، وتعرضها لأضرار بالغة من تصدعات إنشائية، جراء قصف النظام البائد، إلى جانب حفريات التنقيب غير الشرعية عن اللقى الأثرية، ما أساء للهوية البصرية والمعمارية للعديد من المواقع الحساسة.

وبين أن مرحلة جديدة بدأت مطلع العام 2025 من التعافي والنهوض وتأمين المنطقة من العبث ولصوص الآثار، مبيناً أن الكوادر الفنية باشرت بالفعل عمليات التأهيل والترميم لعودة المدينة كمركز إشعاع حضاري.

بدوره رئيس مجلس المدينة المهندس عبدالله المقداد، أوضح أن المجلس يبذل جهودا حثيثة بالتعاون مع وزارتي الثقافة والسياحة، لإعادة تأهيل وترميم المواقع المنسية، والتي جسدتها الزيارات المتتابعة ولقاءات العمل المتعددة مع المعنيين، ووضع خطة عمل متكاملة للنهوض بالواقع السياحي والثقافي للمدينة.

وأضاف، إنه تم تحديد أولويات للعمل عليها خلال المرحلة المقبلة، وذلك بموجب تفاهمات تضمن الحفاظ على المدينة التاريخية وزوارها، ولفت إلى ضرورة وضع شاخصات تعريفية للمواقع عند مدخلها بأكثر من لغة تظهر قيمة المواقع التاريخية وجماليتها الفنية، بالتنسيق مع مديرية سياحة درعا، بهدف رسم وتنسيق مسار سياحي متكامل يربط المعالم الأثرية ببعضها ويحسن حركة السائحين والزوار.

من جهته رأى الباحث التاريخي أنس المقداد، أنه يتم التركيز السياحي على مناطق دون أخرى ما أدى إلى اختزال بصرى بالقلعة والمسرح، وزيادة أعمال الترميم فيهما دون النظر للمحيط، داعياً إلى صياغة مسار سياحي موحد يتيح للزائر المرور بكل المواقع، والاستعانة بتقنيات تكنولوجية حديثة كرموز الاستجابة السريعة والواقع المعزز، لتعريف الزوار بهوية المواقع المنسية بمختلف اللغات، مستندين للإعتراف العالمي لليونسكو بهذه المدينة ككتلة تاريخية واحدة.

وتُشكل مدينة بصرى الشام واحدة من أبرز الحواضر الأثرية في الشرق القديم، حيث تعاقبت على حجارتها البازلتية الحضارات النبطية، والرومانية، والبيزنطية، وصولاً إلى العصور الإسلامية والأيوبية، ويمثل هذا المزيج المعماري الفريد كتلة تاريخية متكاملة نالت اعترافا دولياً بتسجيلها على قوائم اليونسكو للتراث العالمي، مّا يجعل من تأهيل أوابدها المنسية وحمايتها من التصدعات وإعادة ربط أحيائها التراثية بمسارات السياحة المستدامة ركيزة أساسية لصون الهوية الوطنية ومقاومة طمس الذاكرة الجمعية للمنطقة.

التعليقات

اترك تعليقاً