التخطي إلى المحتوى

تقف فرنسا في هذه اللحظات التاريخية الإستثنائية وقفة تأمل وإجلال أمام ذكرى مئوية ميلاد رجل لم يكن مجرد فيلسوف، بل كان زلزالا فكريا هز أركان اليقين وأعاد تشكيل خرائط المعرفة. إنه ميشيل فوكو، الذي أبصر النور في الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1926، ليرحل عن عالمنا في الخامس والعشرين من يونيو/حزيران 1984، تاركا خلفه إرثا فكريا لا يزال يتردد صداه في أروقة الجامعات ومراكز البحث عبر العالم، كأنه لم يرحل قط، وكأن كلماته ما زالت تنبض بالحياة في كل نقاش حول السلطة والمعرفة والجسد والجنون… لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد قرن كامل على ميلاده، ليس ما الذي قاله فوكو، بل ماذا تبقى من فوكو؟ ما الذي صمد من مشروعه الفكري في وجه عواصف الزمن وتحولات المعرفة؟ وهل ما زالت أدواته التحليلية قادرة على تفكيك الحاضر، أم أنها تحولت هي نفسها إلى قطعة أثرية في متحف الأفكار؟

لقد كان فوكو ذلك المفكر الذي أدرك باكرا أن الحقيقة ليست كائنا ثابتا في السماء، بل هي نتاج بشري، تصنعه علاقات القوة وتشكله المؤسسات وتعيد إنتاجه الخطابات. لم يكن يبحث عن اليقين المطلق، بل كان يغوص في أعماق التاريخ ليكشف كيف تشكلت مفاهيمنا عن الجنون والمرض والعقاب والجنسانية، وكيف أصبحت هذه المفاهيم أدوات للسيطرة والضبط والانضباط. لقد كان فوكو يؤجّج جمر الأسئلة الحارقة في زمن اشتد فيه سعار الحروب، زمن فقد فيه العالم بوصلته، فكان في حاجة إلى متنورين وحكماء وعقلاء متبصّرين أمثاله وأمثال سارتر وكامي…، لكنه اختار طريقا مغايرا، طريقا لم يسلكه أحد قبله بذات الجرأة والعمق والجسارة الفكرية. لقد ولد فوكو في مدينة بواتييه وسط أسرة من الأطباء، لكنه سرعان ما تخلى عن مسار الطب ليجتاح حقول الفلسفة و دهاليز علم النفس و أغوار التاريخ. حصل على التبريز في الفلسفة سنة 1951، وتنقل بين السويد وبولندا وألمانيا، قبل أن يستقر في كليرمون فيران حيث بدأ تدريس علم النفس سنة 1961، وفي العام نفسه نشر كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، ذلك العمل الذي شكل محطة تأسيسية في مساره. لم يكن فوكو يبحث عن أصل الجنون، بل كان يبحث عن اللحظة التي أصبح فيها العقل هو الحاكم والجنون هو المحكوم، عن اللحظة التي تم فيها إقصاء الآخر ووضعه في مصحة، ليس لأنه مريض بالضرورة، بل لأنه يهدد النظام السائد ويسائل يقيناته.

ثم جاء كتاب “الكلمات والأشياء” سنة 1966 ليحقق نجاحا واسعا ويثير نقاشات حادة حول مناهج دراسة الإنسان والمعرفة. لقد أعلن فوكو في هذا الكتاب عن موت الإنسان، ليس بمعنى نهاية الإنسان البيولوجي، بل بمعنى نهاية ذلك التصور الذي جعل الإنسان مركز الكون ومالك الحقيقة. هذا الطرح الجريء جعله أحد الأسماء المرتبطة بالنقاشات حول البنيوية، غير أنه أبدى تحفظا على تصنيفه ضمن هذا التيار، مفضلا تطوير مقاربته الخاصة لتاريخ الأفكار وأنظمة المعرفة. وفي سنة 1970، انتخب فوكو أستاذا في ”كوليج دو فرانس’، حيث واصل أبحاثه حول المؤسسات والعقاب والسلطة. وفي سنة 1975، نشر كتابه ”المراقبة والعقاب”، الذي تناول فيه نشأة السجن الحديث والتحولات التي عرفتها أساليب العقاب والانضباط. لم يكن فوكو يكتب عن السجن بمعزل عن الواقع، بل كان منخرطا في مجموعة الإعلام حول السجون، التي شارك في أنشطتها بهدف الكشف عن أوضاع المعتقلين. لقد كان فوكو يمارس الفلسفة بجسده، لا بعقله فقط، وكان يرى أن المثقف ليس من يجلس في برجه العاجي، بل من يخوض معارك عصره ويسائل السلطة في كل تجلياتها. واتجه فوكو في مرحلة لاحقة إلى دراسة تاريخ الممارسات المرتبطة بالجنس والأخلاق، فأصدر ثلاثة أجزاء من مشروعه ”تاريخ الجنسانية” بين سنتي 1976 و1984، قبل أن يصدر الجزء الرابع بعد وفاته سنة 2018 بعنوان ”اعترافات الجسد”.

لكن هذا الإرث الهائل لم يكن يوما موضع إجماع، بل ظل ساحة معركة فكرية بين من يرى فيه فتحا معرفيا مُبينا وغير مسبوق، ومن يرى فيه خطرا على أسس ومُرتكزات الفكر النقدي ذاته. لقد أدرك جيل دولوز، الذي اعتبر فوكو أعظم فيلسوف معاصر، أن صديقه لم يكن يكتب تاريخ الأفكار، بل كان يرسم خرائط للقوى التي تشكل الحاضر. رأى دولوز أن فوكو لم يتوقف عند تحليل السلطة كقمع، بل كشف عن طبيعتها المنتجة للخطاب والذات، وعن تلك العلاقات المتشابكة التي تجعل من كل علاقة قوى علاقة سلطة. لقد فهم دولوز أن فوكو لم يكن مؤرخا للفلسفة، بل كان فيلسوفا يصنع أدوات للتفكير في الراهن، أدوات تسمح لنا برؤية ما يبدو بديهيا على حقيقته الزائفة. لكن دولوز نفسه أدرك أن هذه الأدوات قد تتحول إلى سجن جديد إذا ما تحولت إلى عقيدة مغلقة، وإلى خطاب يفرض نفسه كحقيقة لا تقبل المساءلة. في المقابل، وقف يورغن هابرماس موقفا مغايرا، إذ رأى في مشروع فوكو تناقضا بنيويا: كيف يمكن لفيلسوف أن يمارس النقد ويطالب بالتحرر، بينما ينفي وجود أي معيار كوني للحقيقة ؟

لقد رأى هابرماس أن فوكو يلجأ إلى خيار جذري وكلي في نقد العقلانية، من دون التمييز بين ما هو أداتي منتج للاستلاب، وما يساعد على تحرر الإنسان. كان هابرماس يخشى أن يؤدي هذا النقد الشامل للعقل إلى شلل القدرة على المقاومة، وإلى سقوط في نوع من النسبية التي تجعل كل مقاومة مجرد علاقة قوى أخرى لا تملك أي شرعية أخلاقية. لقد كان هابرماس يرى أن فوكو، في سعيه إلى تفكيك كل يقين، قد جرف معه شرط إمكان النقد ذاته، فترك الإنسان معلقا في فراغ لا معايير فيه ولا أفق للتحرر. أما المفكر الفلسطيني العربي إدوارد سعيد، فقد كان موقفه أكثر تعقيدا وإيلاما. فقد استفاد سعيد من مفاهيم فوكو في تحليل الخطاب الاستشراقي، لكنه سرعان ما اكتشف أن فوكو يرفض الإنسية والإرادة الذاتية والذات الفاعلة، ويفضل نمطا تاريخيا يقوم على النسق بدل الذات الفاعلة، وعلى الخطاب عوض القصد والمنهج الذاتيين. لقد رأى سعيد أن هذا الموقف يجعل من المستحيل على المثقف أن يقاوم، لأن المقاومة تفترض فاعلا واعيا وقرارا أخلاقيا. بل إن سعيد نفسه أشار إلى أن فوكو يعتقد أن النص أو المؤلف الفردي ذو أهمية ضئيلة جدا، بينما كان سعيد يرى أن النصوص الفردية، حتى في حالة الاستشراق، تحمل وزنا كبيرا في تشكيل الوعي والهيمنة. لقد كان سعيد يعرف أن فوكو يمنحه أدوات تحليلية قوية، لكنه كان يخشى أن تسحبه هذه الأدوات إلى موقع لا يسمح بالمقاومة ولا بالإرادة الحرة، فظل يقف على الحدود، يأخذ من فوكو ما يفيده، ويترك ما يعتقده عقبة أمام الفعل والتحرر.

والسؤال الذي يُطرح الآن وبحدّة، ماذا تبقى من فوكو إذن؟ ونُجيب ونقول: تبقى منه تلك الرؤية الثاقبة التي ترفض أن تقبل الأشياء كما هي، وتصر على سؤال الحاضر عن نفسه وعن شروط إمكانه. تبقى منه تلك الجرأة على تفكيك ما يبدو بديهيا، وتلك القدرة على رؤية السلطة حيث لا يراها الآخرون، في اللغة، في المؤسسات، في الجسد، في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. تبقى منه فكرة أن المعرفة ليست بريئة، وأن الحقيقة ليست محايدة، وأن الإنسان ليس سيد نفسه كما يتوهم. لكن ما تبقى منه أيضا هو ذلك السؤال المقلق الذي لم يجب عنه أحد بعده: كيف يمكن أن نمارس النقد دون أن نفقد شرط إمكان النقد ذاته؟ كيف يمكن أن نرفض كل يقين دون أن نغرق في نسبية مشلولة؟ كيف يمكن أن نحلل السلطة دون أن ننزلق إلى موقع الضحية الأبدية التي لا فاعلية لها ولا إرادة؟

لقد توفي فوكو في باريس يوم 25 يونيو/حزيران 1984، عن عمر ناهز 57 عاما، إثر إصابته بمرض الإيدز، تاركا مؤلفات ومحاضرات ومخطوطات واصلت المؤسسات البحثية ودور النشر الاهتمام بها خلال العقود التالية. واليوم، بعد قرن على ميلاده، ما زال فوكو يبعث من جديد، ليس كتمثال جامد في متحف الأفكار، بل كصوت حي يتردد صداه في كل مكان حيث توجد سلطة، وحيث توجد معرفة، وحيث يوجد إنسان يبحث عن الحقيقة ويقاوم القمع. لكن فوكو الذي يبعث اليوم ليس هو فوكو الذي عاش ورحل، بل هو فوكو الذي نصنعه نحن بأدواتنا وأسئلتنا وخيباتنا وآمالنا. إنه فوكو الذي نريد، لا فوكو الذي كان. وهذا هو الدرس الأكبر الذي تركه لنا: أن الأفكار لا تعيش إلا إذا أعدنا إنتاجها، وأن المفكرين لا يبقون إلا إذا واصلنا مساءلتهم. فما تبقى من فوكو ليس ما كتبه، بل ما نفعله وما نعيشه نحن بما كتبه.

التعليقات

اترك تعليقاً