
في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وما تفرضه من تحديات متشابكة على الأمن القومي المصري، تصدرت احتياجات المواطنين الأساسية، وتأمين مصادر الغذاء، ورفع كفاءة الاستعداد للأزمات، وتعزيز الوعي المجتمعي، مناقشات ورشة عمل نظمها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، ضمن سلسلة الورش التحضيرية لمنتدى مصر 2026، المقرر انعقاده خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري.
وشهدت الورشة، التي عُقدت مساء الثلاثاء 13 أكتوبر، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين وممثلي مراكز الفكر والمعنيين بقضايا الأمن الداخلي وإدارة الأزمات، طرح رؤى ومقترحات تستهدف تعزيز قدرة الدولة على مواجهة المخاطر، وحماية مقدراتها، وترسيخ الاستقرار، مع التأكيد على أن أمن المواطن المعيشي وتلبية احتياجاته يمثلان جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني الشامل.
وتناولت المناقشات سبل تطوير آليات إدارة الأزمات والطوارئ، ورفع كفاءة الاستجابة للمخاطر، وقراءة انعكاسات التطورات الإقليمية والدولية على المصالح المصرية، فضلًا عن تعزيز التكامل بين السياسة الخارجية واعتبارات الأمن القومي، وصولًا إلى بلورة رؤية متكاملة تقوم على التنسيق المؤسسي واستشراف التحديات وتحويل التوصيات إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ.
الأمن المعيشي وتأمين الغذاء في صدارة الأولويات
وفي طرح يعكس أهمية توظيف الموقع الجغرافي لمصر في تعزيز أمنها الاقتصادي والغذائي، دعا اللواء أحمد عبد الله، محافظ البحر الأحمر سابقًا، إلى استثمار الموقع الاستراتيجي للدولة في تحويلها إلى مركز عالمي لتخزين السلع والحبوب، من خلال تقديم حوافز للدول الراغبة في إقامة مخازن على الأراضي المصرية، بما يعزز القدرة على تأمين الاحتياجات الاستراتيجية ومواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد.
كما شدد على أهمية تطوير العملية التعليمية وتعزيز دور الثقافة في ترسيخ الانتماء الوطني لدى النشء، داعيًا إلى إنتاج محتوى مرئي يسهم في ربط الأجيال الجديدة بوطنها والتعريف بالثقافة المصرية في الخارج.
من جانبه، أكد اللواء أركان حرب الدكتور إبراهيم عثمان، نائب أمين عام مجلس الدفاع الوطني سابقًا، ضرورة سد الفجوات بين التخطيط والتنفيذ، وتحقيق التكامل بين إدارة الموارد والفكر الاستراتيجي، بما يضمن الاستخدام الأمثل للإمكانات المتاحة وتحويل الخطط إلى خطوات عملية.
وأوضح أن الأمن المعيشي للمواطن يمثل أحد المقومات الرئيسية لأمن الوطن واستقراره، وأن تلبية احتياجات المواطنين وتعزيز شعورهم بالأمان يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الأمن الوطني الشامل.
وفي السياق ذاته، شدد اللواء هشام الحلبي، بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، على أهمية توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين بأسعار مناسبة، بما يخفف الأعباء المعيشية ويدعم الاستقرار، مؤكدًا الدور المحوري للإعلام في تشكيل الرأي العام وتعزيز الوعي بالتحديات التي تواجه الدولة.
كما أكد السفير عبد المنعم عمر، سفير سابق، أهمية ترسيخ ثقافة مجتمعية تقوم على ترشيد استهلاك الموارد الغذائية والحد من الهدر، بما يدعم كفاءة استخدام الموارد المتاحة ويعزز قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة تحديات الأمن الغذائي.
تعزيز ثقة المواطنين ورفع كفاءة الخدمات
وفيما يتعلق بفاعلية السياسات العامة وانعكاساتها على حياة المواطنين، شدد اللواء الدكتور أحمد الشربيني، مستشار مدير مكتبة الإسكندرية، على أهمية تنفيذ القرارات التي تستجيب لاهتمامات المواطنين وتراعي قضايا الرأي العام، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويؤكد قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المجتمعية.
كما دعا إلى تكثيف جهود مكافحة تعاطي المخدرات والحد من انتشارها، حمايةً لأفراد المجتمع ودعمًا للأمن والاستقرار.
بدوره، أكد العميد خالد عكاشة، المدير العام لمؤسسة نواة، أهمية إجراء قياسات دورية لرضا المواطنين عن الخدمات المقدمة إليهم، بما يساعد على تحديد الاحتياجات ورصد جوانب القصور والتطوير، إلى جانب مواصلة تحسين الخدمات التي تقدمها وزارة الداخلية ورفع كفاءتها.
وفي إطار مناقشة التحديات المجتمعية، تناول اللواء أركان حرب محمود محمد حسنين مخاطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتحديات البطالة، مشددًا على أهمية دور الأسرة في التنشئة وبناء وعي الأبناء، وضرورة تطوير الخطاب والسياسة الإعلامية بما يتناسب مع المتغيرات الراهنة.
الإعلام والوعي المجتمعي.. أدوات لمواجهة التحديات
وأكدت الدكتورة أماني الطويل، بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أهمية قراءة المخاطر الإقليمية الراهنة وتداعياتها على مصر، مع تعزيز الشفافية في الخطاب الرسمي وتطوير المنظومة الإعلامية، بما يضمن تقديم المعلومات بصورة واضحة ويدعم قدرة المواطنين على فهم التطورات المحيطة.
كما شددت الدكتورة ريهام مصطفى، الأستاذة بجامعة العاصمة، على ضرورة استمرار الدولة في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وتعريفهم، خاصة الشباب، بالجهود المبذولة في مختلف القطاعات والسياسات العامة، بما يعزز فهمهم لتوجهات الدولة.
وأكدت كذلك أهمية تأمين مصادر حصول المواطنين على المعلومات الموثوقة، في ظل التطور التكنولوجي المتسارع وتعدد المنصات والوسائل الإعلامية.
وفي السياق نفسه، دعا اللواء حمدي بخيت، رئيس مركز أزمات القوات المسلحة الأسبق، إلى تطوير المنظومة الإعلامية وتعزيز الاصطفاف الوطني وتكاتف المجتمع في مواجهة التحديات، مشيرًا إلى أهمية إجراء قياسات دورية للرأي العام والاستفادة من نتائجها في دعم صانع القرار وتطوير السياسات.
كما أكدت الدكتورة أمل مختار، بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن العنصر البشري يمثل رأس المال الحقيقي للدولة المصرية، مشددة على أهمية تطوير الخطاب الإعلامي للتعريف بجهود الدولة ومشروعاتها، وتعزيز وعي الأجيال الجديدة من خلال فهم خصائصها واحتياجاتها، مع دعم دور المؤسسات الثقافية والعلمية في التنشئة وبناء القدرات.
الاستثمار في الإنسان وتكامل المؤسسات
وفيما يتعلق بتنمية القدرات البشرية وربطها باحتياجات المستقبل، أكد اللواء أحمد الجيزاوي، نائب مدير مركز بحوث الشرطة، أن الأمن الغذائي يمثل أحد أبعاد الأمن القومي، مشددًا على أهمية التوعية بالمشروعات القومية والتوسع في إنشاء الكليات التكنولوجية لإعداد كوادر مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل وتواكب التطورات التقنية.
من جانبه، أكد الدكتور سامح إسماعيل، بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن حماية المواطن وتمكينه يمثلان أساسًا للأمن المجتمعي، مشددًا على ضرورة تعزيز الوعي القانوني، ودعم دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية، وترسيخ ثقافة احترام الآخر، بما يحافظ على تماسك المجتمع ويحد من آثار التفكك الأسري.
كما طرح الدكتور أحمد طاهر، مدير مركز المدار للدراسات السياسية والإعلامية، أهمية الاستثمار في بناء الكوادر البشرية وتطوير دور التعليم، وإعادة الاعتبار للعلوم الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب تعزيز التكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، وتفعيل دور مراكز الأبحاث في دراسة التحديات وتقديم مقترحات تدعم صناعة القرار.
متابعة التوصيات لضمان التنفيذ
وعلى صعيد التعامل مع الأزمات الإقليمية وتداعياتها على الأمن الوطني، استعرض السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، حالة الاضطراب التي تشهدها المنطقة وانعكاسات الأزمات المتلاحقة، مشيرًا إلى قدرة مصر على التعامل مع تداعيات هذه التطورات.
ودعا إلى تشكيل لجنة دائمة لمتابعة تنفيذ توصيات منتدى مصر 2026، بما يضمن الانتقال من مرحلة المناقشات وطرح الرؤى إلى التنفيذ الفعلي، مع متابعة ما يتحقق من تقدم في تطبيق التوصيات.

التعليقات