في قلب الصحراء الشرقية، حيث تختزن الأرض المصرية ثروات من الذهب والمعادن، تتشابك أحلام الثراء السريع مع تحديات فرض القانون وحماية الموارد الطبيعية.
فبين مجموعات تمارس التنقيب بعيدًا عن الأطر المنظمة، وشركات تبحث عن فرص استثمارية في قطاع التعدين، يبرز ملف «الدهابة» بوصفه قضية تتجاوز حدود استخراج المعدن الأصفر، لتلامس الاقتصاد والأمن القومي والعلاقات مع السودان.

وأعاد المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، فتح هذا الملف بتحذيره من محاولات، قال إنها تستهدف جر مصر إلى حرب مع السودان عبر قضية الدهابة، مشيرًا إلى أن بعض المنقبين يحملون أسلحة.
وفي المقابل، سبق أن حذر رجل الأعمال نجيب ساويرس من إهدار الثروات التعدينية بسبب التنقيب غير المشروع، ومن ممارسات قال إنها تصل إلى تهديد شركات التعدين بالسلاح، بما يؤثر على الاستثمار في القطاع.
وبين التحذيرين، يطرح الملف أسئلة جوهرية: من هم الدهابة؟ ولماذا يمثل التنقيب العشوائي خطرًا على الثروة المعدنية؟ وكيف يمكن للدولة مواجهة المخالفات دون السماح باستغلالها لإشعال التوتر بين القاهرة والخرطوم؟
«الدهابة».. من البحث عن الذهب إلى تحديات السيطرة على الثروة
يُستخدم مصطلح «الدهابة» للإشارة إلى الأشخاص الذين يبحثون عن الذهب ويستخرجونه، وغالبًا ما يرتبط في هذا السياق بالتنقيب الفردي أو الجماعي الذي يجري خارج الأطر القانونية في بعض المناطق.
وتعتمد مجموعات من المنقبين على أجهزة كشف المعادن والمعدات البسيطة والحفر اليدوي، مع التحرك إلى مناطق صحراوية نائية بحثًا عن رواسب الذهب.

وتكتسب الظاهرة أهمية خاصة في الصحراء الشرقية وجنوب مصر، حيث توجد مناطق غنية بالخامات المعدنية، ويحتاج استغلالها إلى دراسات جيولوجية وعمليات استكشاف وتجهيزات فنية متخصصة.
وفي هذا السياق، أكد أسامة كمال أن مصر تمتلك أكثر من 230 موقعًا لاستخراج الذهب، مشيرًا إلى أن الصحراء الشرقية تضم أبرز المناطق المعروفة بهذا النشاط. كما أوضح أن التنقيب العشوائي شهد انتشارًا ملحوظًا بعد عام 2011، قبل أن تبدأ الدولة في تعزيز السيطرة على مناطق التعدين ومواجهة الأنشطة غير المشروعة منذ عام 2014.
وشدد كمال على أن استخراج الذهب لا يقل تعقيدًا عن البحث عن البترول، إذ يتطلب عمليات علمية دقيقة للوصول إلى الخامات وتحديد الجدوى الاقتصادية من استخراجها، لافتًا إلى طرح أكثر من 24 منطقة امتياز للبحث عن الذهب خلال الفترة التي تحدث عنها.
وتكشف هذه التصريحات عن فجوة بين الإمكانات التعدينية التي تمتلكها مصر، وبين مخاطر استغلال بعض المناطق بعيدًا عن منظومة الترخيص والرقابة. فالتنقيب غير المنظم لا يضمن الاستغلال الأمثل للخام، وقد يؤدي إلى إهدار جزء من قيمته، فضلًا عن صعوبة حصر الإنتاج ومتابعة مصادره إذا جرى تداوله خارج القنوات الرسمية.
لكن القضية لا تتعلق فقط بوسائل التنقيب أو حجم الإنتاج، بل تمتد إلى طبيعة الأنشطة التي تصاحب بعض عمليات التعدين غير القانوني، خاصة عندما تتداخل مع الاعتداء على مواقع الشركات أو حيازة أسلحة أو النزاعات على مناطق البحث عن الذهب.

تحذيرات ساويرس.. هل يدفع التنقيب العشوائي ثمنًا من الاستثمار؟
لم تقتصر التحذيرات من خطورة الظاهرة على المسؤولين المعنيين بقطاع الطاقة والتعدين، إذ أثار رجل الأعمال نجيب ساويرس القضية في منشور عبر منصة «إكس» في 4 يونيو 2026، حذر فيه من إهدار الثروات التعدينية المصرية بسبب أعمال التنقيب العشوائي وغير المشروع.
وأشار ساويرس، وفقًا لتصريحات سابقة له في وسائل الإعلام، إلى أن بعض شركات التعدين تواجه ممارسات غير قانونية تصل إلى التهديد بالأسلحة، معتبرًا أن استمرار هذه الأوضاع يؤثر على سمعة الاستثمار في مصر، ويحرم الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من الذهب والفضة والمعادن النادرة. كما أشار في تصريحاته إلى وجود أشخاص من خارج البلاد ضمن بعض أنشطة التنقيب غير المشروع.
وتكتسب هذه التحذيرات أهميتها من أن شركات التعدين تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، تبدأ بأعمال المسح والاستكشاف، ثم تقييم الاحتياطيات، وصولًا إلى تجهيز مواقع الإنتاج.
وأي اعتداء على مواقع العمل أو المعدات، أو منافسة غير قانونية على مناطق الامتياز، يمكن أن يرفع المخاطر أمام المستثمرين ويؤثر على قرارات التوسع.
وفي 20 يونيو 2026، نشر ساويرس إشادة بتحركات القوات المسلحة ووزارة البترول لمواجهة أنشطة التنقيب العشوائي، معربًا عن أمله في أن تسهم هذه الإجراءات في تعزيز الاستثمارات التعدينية وزيادة موارد الدولة.
وتكشف هذه المواقف عن أن المشكلة لا تقتصر على خسارة كميات من الذهب، بل تشمل أيضًا الثقة في قدرة المنظومة التنظيمية على حماية الاستثمارات وضمان احترام القواعد. فكلما تراجعت قدرة الدولة على منع التعديات، زادت صعوبة بناء قطاع تعدين يعتمد على الاستكشاف المنظم والتكنولوجيا الحديثة.
ومع ذلك، فإن تحديد حجم الثروة المهدرة أو الخسائر الاستثمارية يتطلب بيانات رسمية بشأن الإنتاج غير المسجل، وعدد المواقع المخالفة، وحجم الاعتداءات التي تعرضت لها الشركات، وهي معلومات لا يمكن حسمها بمجرد الاعتماد على التصريحات أو التقديرات المتداولة.
من التنقيب غير المشروع إلى التوتر الحدودي.. أين تكمن الخطورة؟
تزداد حساسية ملف «الدهابة» مع ارتباطه بمناطق قريبة من الحدود المصرية السودانية، حيث تتداخل اعتبارات تأمين الحدود ومكافحة التهريب مع حماية مواقع التعدين والثروات الطبيعية.
وحذر أسامة كمال من محاولات لجر مصر إلى حرب مع السودان عبر استغلال هذا الملف، مشيرًا إلى أن بعض العاملين في التنقيب العشوائي يحملون أسلحة. لكن هذه التحذيرات لا تثبت وحدها وجود مخطط محدد أو مسؤولية جهة بعينها.
وتكمن الخطورة في إمكانية تحويل حادث فردي أو مخالفة جنائية إلى قضية سياسية أوسع، خصوصًا عند تداول معلومات غير مكتملة أو اتهامات قبل التحقق منها.
فوجود منقبين مخالفين للقانون لا يعني تلقائيًا أن دولة مجاورة تقف وراء نشاطهم، كما أن وقوع حادث في منطقة حدودية لا يثبت وحده استهداف العلاقات الثنائية. لذلك، يجب الفصل بين مسؤولية الأفراد وأي وقائع لعبور الحدود والمواقف الرسمية للدول.
وقد تؤدي الشائعات والمعلومات غير الدقيقة إلى توتر بين المجتمعات المحلية، أو إلى ضغوط تمس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ومن ثم، تبرز أهمية المعالجة الإعلامية المسؤولة لمنع تعميم الاتهامات وتأجيج الخلافات، دون تجاهل المخاطر الأمنية أو التقليل من شأنها. ويظل الاحتواء مرهونًا بالمعلومات الموثقة والتحقيق وتحديد المسؤوليات والتواصل بين الجهات المصرية والسودانية.
كيف تخرج مصر من الملف الشائك؟.. 4 مسارات للحل
أولًا: إحكام الرقابة وتطبيق القانون. تتطلب مواجهة التنقيب غير المشروع تشديد الرقابة على مناطق التعدين وتأمين مواقع الشركات، مع توثيق المخالفات ومحاسبة المتورطين.
ويؤكد دليل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بشأن التعدين غير القانوني والاتجار بالمعادن أهمية تطوير الأطر القانونية وتعزيز إنفاذ القانون والتعاون بين الجهات المختصة.
ثانيًا: تنظيم النشاط وتوسيع الاستثمار. لا تقتصر المواجهة على الإجراءات الأمنية، بل تشمل تسهيل التراخيص وجذب الشركات العاملة بصورة قانونية، وتشديد الرقابة على تداول الذهب ومصادره.
وفي هذا السياق، أشارت وزارة البترول والثروة المعدنية، في إطار استعدادات منتدى مصر للتعدين في سبتمبر 2026، إلى طرح فرص للبحث والاستكشاف بنظام القطاعات المفتوحة، بهدف تطوير النشاط وجذب الاستثمارات.
ثالثًا: التنسيق مع السودان لمنع التصعيد. يتطلب احتواء أي حوادث ذات أبعاد حدودية سرعة التواصل والتحقق من ملابساتها قبل توجيه الاتهامات. وأكد إعلان العلمين المشترك الصادر في 4 أكتوبر 2026 أهمية التنسيق الإقليمي واحترام السيادة ومبادئ حسن الجوار.
ويمكن البناء على هذه المبادئ لتعزيز تبادل المعلومات بين الجهات المختصة في مصر والسودان، مع التأكيد أن إنشاء آلية متخصصة لملف «الدهابة» يظل مقترحًا يحتاج إلى اتفاق رسمي.
رابعًا: مواجهة الشائعات ومعالجة الأسباب الاجتماعية.
يساعد نشر المعلومات الموثقة عن الحوادث ونتائج التحقيقات على الحد من الشائعات والتمييز بين الوقائع المثبتة والتصريحات التحذيرية.
وبالتوازي، فإن دراسة أسباب اتجاه بعض الأفراد إلى التنقيب غير القانوني، وتوفير التدريب وفرص العمل البديلة، قد يسهمان في تقليص النشاط خارج المنظومة الرسمية.
وفي هذا الإطار، دعا البنك الدولي، ضمن إطار نشره في 19 سبتمبر 2024 لتطوير التعدين الحرفي والصغير، إلى تنظيم هذا النشاط بصورة مستدامة وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعاملين فيه.

التعليقات