عقب تقديم إثيوبيا شكوى إلى مجلس الأمن الدولي بالتدخل لوقف توغل قوات إريترية في أراضيها والتلويح بحق الدفاع عن النفس قبل يومين، تكون العلاقة بين أديس أبابا دخلت عمليا فصلا جديدا من الفصول القاتمة، وأن طبول الحرب التي حذر منها كثيرون قرعت أجراسها فعلا بين البلدين، ما ينذر بمرحلة شديدة الخطورة في منطقة القرن الأفريقي، حيث تتشابك معا الخيوط الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
دعك من الرواية التي تقدمها إثيوبيا بشأن يقينها من وجود قوات لإريتريا في إقليم تيغراي، ودعك من رد الثانية الذي نفى واعتبر الأمر ذريعة لقيام أديس أبابا بشن حرب داخل أراضيها، ركز على المآلات التي قد تذهب إليها الاتهامات والوقائع، لأنها في الحالتين تعني أن حربا شرسة طرقت أبواب البلدين حاليا، بعد أن مرت العلاقة بينهما بمراحل مختلفة من الشد والجذب، الصعود والهبوط، والحرب والسلام.
يصعب على المراوحة التي استمرت فترات طويلة أن تظل على حالها من دون حسم عن طريق سلام مستدام أو حرب تؤدي إلى نتيجة نهائية لصالح أحد الطرفين. لم تصمد اتفاقية السلام الموقعة بينهما منذ نحو ثمانية أعوام، ولم يفلح التحالف العسكري الذي نشأ على اثر حرب تيغراي السابقة (2020- 2022) في تعزيز الشراكة بين أديس أبابا وأسمرة، وطي صفحة سوداء شهدت معارك ضارية لعدة عقود بينهما، توقفت أصعب مراحلها دموية عند إنفصال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993.
لوّحت إثيوبيا بالحرب أكثر من مرة للوصول إلى ميناء عصب على البحر الأحمر. لم يكن التلويح صريحا، لكن تصريحات هادئة وأخرى صاخبة لمسؤولين كبار في أديس أبابا خلال الفترة الماضية لم تخف الرغبة في الوصول إلى عصب بأي ثمن، بحجة أن بلدهم حبيسا وكان يسيطر على هذا الميناء في وقت سابق. ناهيك عن طموحات رئيس الحكومة آبي أحمد في احتلال إثيوبيا مكانة تتناسب مع أحلامه.
سواء أكانت إريتريا حرّضت فصيلا في جبهة تحرير شعب تيغراي للتمرد على الحكومة المركزية وهيأت الأجواء في الإقليم لعودة الحرب مرة أخرى أم لا، هناك مؤشرات أكدت وجود احتقانات في تيغراي بسبب عدم التزام أديس أبابا بتطبيق بنود اتفاقية السلام الموقعة مع قادة الإقليم في بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ما يعني أن البيئة المحلية كانت على استعداد لإعلان التمرد في أي لحظة، حيث بلغت الأوضاع الداخلية حدا مؤسفا من التدهور وعدم المساواة في توزيع السلطة والثورة.
قد تكون إثيوبيا تعمدت تكريس التدهور لإيجاد وسيلة لكبح القوى الخارجة عن سيطرتها، وتبرير شن الحرب على إريتريا في وقت لاحق، باعتبارها الجهة الرئيسية المتهمة دوما بدعم تيغراي بسبب التداخل الجغرافي والاجتماعي والأمني للإقليم في البلدين.
ثمة تشابكات أفضت إلى خلافات تم احتواؤها، وأخرى قادت إلى معارك متقطعة أسهمت في ترسيخ حساسيات بين البلدين، وتحولت إلى قنابل موقوتة، يمكن أن تنفجر عندما تتزايد التباينات حيال قضايا حيوية.
يستند هذا الاستنتاج إلى عاملين، الأول: تصريحات حادة متكررة ضد أسمرة من أجل شيطنتها عقب الترويج لخطاب يشير إلى تحالفات إقليمية مشبوهة تمثل خطرا على إثيوبيا. الثاني: انسداد أفق السلام بين البلدين للتفاهم حول آلية معينة تمنح أديس أبابا حرية الوصول إلى البحر الأحمر، والتمركز في عصب عسكريا وتجاريا، ما جعل خيار الحرب خيارا ينتظر فقط الوقت الذي يتم الإعلان عنه بشكل شبه رسمي، كما هو الحال في الأيام الماضية.
هناك رؤية يجب مراعاتها وعدم استبعادها في التقديرات الراهنة وهي أن إريتريا ترى أن مواجهة إثيوبيا حتمية، وتفضل أن تكون المواجهة على أراضي الأخيرة بدلا من انتظارها لتتحول إلى داخل إريتريا.
قامت أسمرة بتحريض تيغراي على الحرب، مستفيدة من سهولة دخول معدات عسكرية إليها وتوفير دعم لها وإحراج قوات الحكومة الفيدرالية، تمهيدا لانهاكها في حرب تضاريسها وعرة وتشتيت انتباهها مع تعدد الحروب في أقاليم أخرى مثل أمهرة وأورومو وعفر، بما يقلل من فعالية القوات الإثيوبية إذا قررت غزو إريتريا وتنطلق هذه الرؤية من ثلاثة عوامل رئيسية.
الأول: إريتريا اليوم تختلف عن الأمس. لم تعد دولة منبوذة، حيث نسجت علاقات مع قوى إقليمية ودولية عدة. لا يزال الرئيس أفورقي يحافظ على قدر عال من مرونته، على عكس تقديرات في أديس أبابا ذهبت إلى تصويره بأنه ديكتاتور والعالم يريد التخلص منه. كما تحسنت علاقاته مع الولايات المتحدة، التي أعلنت رفع حظر تصدير السلاح عن إريتريا مؤخرا، بسبب حاجتها لموقع بلاده على البحر الأحمر.
الثاني: احتفاظ الرئيس الإريتري بعلاقات جيدة مع إسرائيل التي يتردد أنها أحد أهم رعاة الحكومة الإثيوبية، أي أن تل أبيب تفضل عدم الإنخراط الآن في الحرب لأحد الطرفين أو دعمهما معا بشكل غير مباشر والإنحياز إلى من ينتصر في النهاية.
الثالث: توظيف إريتريا المشكلات الداخلية المتراكمة في إثيوبيا لصالحها من خلال نقل المعركة إليها في الداخل، ومحاربة أديس أبابا بأحد الأسلحة التي جهزتها لإسقاط النظام الحاكم في أسمرة، والاستفادة من الموزاييك (التركيبة القومية) الذي يتشكل منه المجتمع الإثيوبي، ووجود ما يشبه الاجماع بين قوى وفصائل وجماعات محلية على ضرورة إسقاط حكومة آبي أحمد، والتخلص من إرثه القاتم ضد بعض القوميات.
دقت طبول الحرب أجراسها عمليا بين إثيوبيا وإريتريا ومن الصعب فرملتها بالأدوات المتعارف عليها، لا من جانب المجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة، ولا من قبل الاتحاد الأفريقي. كلاهما لديه من التآكل ما يردعه عن التدخل في معركة عسكرية يصعب التعرف على نتائجها.
كما أن اندلاع هذه الحرب لن يتوقف عن البلدين، إذ يمكن أن تمتد شراراتها إلى دول مجاورة ملتهبة وتواجه أزمات هيكلية حادة في الداخل ونزاعات مفتوحة مع الخارج وقوى متربصة لخلط الأوراق في المنطقة أملا في إعادة ترتيبها على مقاسها وتقويض القوى المناوئة لها.
الواضح أن الحروب التي تندلع في العالم الآن تستمر فترات ممتدة ولا تتوقف بسهولة ولا يتم تطويقها سريعا ترفض القسمة على اثنين ولا تقبل بسلام منصف، تؤمن بالمعادلة الصفرية الشائعة (مكاسب طرف خسائر للآخر، والعكس)، لذلك أمام الحرب بين إثيوبيا وإريتريا شوطا طويلا كي يتبين الخيط الأبيض من الأسود فيها.

التعليقات