القاهرة – في مسلسل ‘طالع نازل’، لا تبدو أزمة علي داوود، الشخصية التي يجسدها محمد شاهين، محصورة في زواجه من امرأتين، بل في اعتقاده أنه يستطيع الاحتفاظ بحياتين دون أن يخسر شيئاً من استقراره أو سعادته. رجل يعيش مع زوجته الأولى تاريخاً من الألفة والعمل والنجاح، ويبدأ مع الثانية حياة عاطفية مختلفة، مقتنعاً، على ما يبدو، بأن لكل علاقة مكانها، وأن بإمكانه الفصل بينهما ما دام قادراً على إدارة التفاصيل.
لكن اعترافه لزوجته نورا بأنه تزوج سراً منذ عامين، وأن زوجته الثانية تنتظر طفلاً، يكشف خللاً أعمق من مجرد إخفاء الحقيقة، فقد اتخذ الرجل قراراً يخص حياة أكثر من شخص، بينما تصرف طويلاً كما لو أن نتائجه ستظل تحت سيطرته.
قد لا يتعلق الرجل بامرأتين بالطريقة نفسها، وإنما بما تمنحه له كل علاقة من شعور تجاه ذاته، فالأولى تعرف تاريخه وتفاصيل ضعفه ونجاحه، وتمنحه الاستقرار الذي اعتاده، بينما قد تمنحه الثانية فرصة ليعيش صورة مختلفة عن نفسه؛ الرجل المرغوب، والمحبوب، والقادر على إحياء مشاعر ظن أنها أصبحت من الماضي.
وهنا يبرز دور الأنا، لا بمعناها المرتبط بالغرور وحده، بل بحاجة الإنسان إلى الشعور بقيمته وجاذبيته وأهميته في عيون الآخرين.
وقد يكون علي متعلقاً بزوجته الأولى وبما تمثله في حياته، ومحباً للثانية أيضاً، لكن السؤال الأعمق يتعلق بقدرته على التمييز بين حب الآخر وحب الشعور الذي يمنحه إياه ذلك الآخر، فليس كل تعلق عاطفي دليلاً على استعداد صاحبه لتحمل مسؤولية العلاقة.
حين تنكسر الصورة أمام إحداهما
ثمة مفارقة نفسية تستحق التأمل؛ فبعد انكشاف زواجه، لم يعد علي الرجل نفسه في عيني نورا. لقد فقد جانباً من صورته التي حافظ عليها أمامها سنوات، وأصبحت تصرفاته موضع شك، بينما قد تظل صورته أمام الزوجة الثانية أقل تعرضاً لهذا الانهيار.
وربما يجد الإنسان راحة أكبر في العلاقة التي لم تتصدع صورته داخلها، ليس لأنها أكثر صدقاً أو عمقاً، وإنما لأنه لا يضطر فيها إلى مواجهة أخطائه بالقدر نفسه.
وقد يدفعه شعوره بالخجل أمام الأولى إلى تجنب المواجهة أو التقليل من أثر ما حدث، بينما يواصل تقديم أفضل ما لديه في العلاقة الأخرى، لكن فقدان ماء الوجه لا يعني انتهاء المسؤولية، كما أن انكشاف الخطأ لا يجعل استمرار الأذى أمراً مقبولاً.
هل يدرك الرجل حجم ما يفعله؟
ليس ضرورياً أن يكون الرجل قد قصد إيذاء زوجته عندما اتخذ قراره، فقد يكون منشغلاً بما سيكسبه من العلاقة الجديدة، إلى درجة تقلل قدرته على توقع ما ستخسره زوجته من أمان وثقة.
وهنا يمكن فهم السلوك من خلال ما يسميه علم النفس الانحياز للتفاؤل، حين يبالغ الإنسان في تقدير قدرته على تجنب النتائج السلبية أو السيطرة عليها. قد يتصور علي أنه يضيف سعادة إلى حياته، بينما لا ينتبه إلى أنه يغير حياة زوجته بالكامل.
وهذه إحدى المفارقات المؤلمة في العلاقات؛ أن يرى أحد الطرفين قراره إضافة شخصية، بينما يعيشه الآخر خسارة لم يخترها.
لكن عدم قصد الأذى لا يعفيه من المسؤوليته، فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح النتائج واضحة: هل يحاول الرجل فهم الألم الذي تسبب فيه، أم يكتفي بالتعاطف مع صاحبه ويواصل السلوك نفسه؟
التعاطف الذي لا يوقف الألم
قد يحزن الرجل لرؤية زوجته تبكي، ويحاول مواساتها، بل يشعر بالذنب تجاهها، لكنه لا يدرك بالضرورة أن بعض تصرفاته اللاحقة تعيد فتح الجرح.
وهنا يظهر الفرق بين الشفقة والتعاطف وتحمل المسؤولية، فالأولى استجابة للألم، والثاني محاولة لفهمه، أما الثالث فيتطلب استعداداً لتغيير السلوك.
وقد يطلب الرجل المسامحة لا لأنه استوعب ما حدث بالكامل، بل لأنه يريد التخلص من الشعور بالذنب واستعادة صورته المريحة عن نفسه. وأحياناً لا يريد من المرأة أن تغفر له فقط، بل أن تتجاوز ألمها سريعاً حتى لا يضطر إلى مواجهته كل يوم.
من إرضاء الذات إلى استنزافها
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الرجل الذي اختار توسيع مساحة سعادته يجد نفسه فجأة مطالباً بإرضاء الجميع.
يحاول طمأنة الزوجة الأولى، والمحافظة على الثانية، والتوفيق بين مطالب متعارضة، قبل أن يكتشف أن الحياة التي اعتقد أنها ستمنحه المزيد أصبحت تستنزف طاقته وراحته.
وقد يبدأ بالشعور أنه يضحي من أجل الجميع، متناسياً أن الالتزامات التي يواجهها لم تنشأ من فراغ، وإنما من اختياراته.
حين يدفع الأبرياء ثمن اختيارات الكبار
وفي حال وجود أطفال، لا تبقى تبعات القرار محصورة بين الزوجتين، بل تمتد إلى أبناء لم يشاركوا في الاختيار، لكنهم قد يجدون أنفسهم مطالبين بالتكيف مع نتائجه. فالطفل الذي اعتاد حضور والده واهتمامه قد يضطر إلى تقاسم وقته وعاطفته مع أسرة أخرى، وربما يشهد انهيار العلاقة بين والديه، أو يجد نفسه عالقاً بين حزن الأم ومحاولات الأب تبرير اختياراته.
وقد يحمل بعض الأطفال شعوراً بالخوف أو الغيرة أو فقدان الأمان، ليس بالضرورة بسبب وجود إخوة جدد، وإنما نتيجة التغير المفاجئ في حياتهم وما قد يصاحبه من صراعات وإهمال عاطفي.
وهنا يبرز سؤال المسؤولية الأبوية: هل فكر الرجل، وهو يسعى إلى تحقيق رغباته، في قدرة أطفاله على استيعاب واقع لم يختاروه؟ فالأبوة لا تعني توفير الاحتياجات المادية وحدها، بل حماية الاستقرار النفسي للأبناء قدر الإمكان.
وأحياناً لا يكون الثمن الأكبر للقرار ما يخسره الرجل أو زوجتاه، بل ما يفقده الأطفال من شعور بالأمان في عالم كان الكبار مسؤولين عن حمايته.
يقدم ‘طالع نازل’ من خلال علي داوود فرصة لفهم رجل قد لا يكون قاسياً بقدر ما هو محدود الوعي بعواقب قراراته، وقد لا يكون خالياً من الحب، لكنه عاجز عن إدراك أن الحب لا يكفي إذا غابت المسؤولية.
وهذا لا يبرئه، بل يضع سلوكه أمام سؤال أكثر أهمية من البحث عن نواياه: ماذا فعل بعدما عرف حجم الألم الذي تسبب فيه؟ فالمشكلة ليست دائماً أن الإنسان يريد أكثر مما يملك، بل أنه قد يعتقد أن من حقه الحصول على المزيد دون أن يدفع الآخرون ثمناً لذلك.
وربما تكون أقسى مفارقات الأنا أن يسعى الإنسان إلى امتلاك كل ما يسعده، ثم يكتشف متأخراً أنه، في محاولته ألا يخسر أحداً، وضع الجميع، بمن فيهم نفسه، أمام احتمال الخسارة.

التعليقات