واشنطن ـ طور باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الأميركي تقنية علاجية تعتمد على جسيمات نانوية دقيقة لإعادة توجيه الخلايا المناعية نحو الخلايا المسببة للمرض، في خطوة قد تمهد لتطوير أساليب جديدة لعلاج بعض أنواع السرطان وأمراض المناعة الذاتية، من خلال تسخير قدرات الجهاز المناعي وتوجيهها بدقة أكبر نحو الأهداف المرضية.
وذكر المعهد، الثلاثاء، عبر موقعه الإلكتروني، أن التقنية تستخدم جسيمات نانوية دهنية لنقل تعليمات وراثية إلى نوع من الخلايا المناعية يُعرف باسم الخلايا القاتلة الطبيعية، وهي خلايا تؤدي دوراً مهماً في الدفاع عن الجسم، إذ تسهم في التعرف على بعض الخلايا المصابة أو غير الطبيعية ومهاجمتها.
وتهدف هذه التعليمات إلى إعادة برمجة الخلايا المستهدفة، بما يمنحها القدرة على التعرف على خلايا بعينها والتعامل معها وفقاً للغرض العلاجي المطلوب.
وتكمن أهمية هذا النهج في أنه يسعى إلى تنفيذ عملية التعديل داخل الجسم مباشرة، بدلاً من الاعتماد على الأسلوب المتبع في بعض العلاجات المناعية، الذي يتطلب سحب الخلايا من المريض، ثم تعديلها وتكثيرها في المختبر قبل إعادتها إليه. وتستغرق هذه العمليات وقتاً وتتطلب تجهيزات وإجراءات متخصصة، ما قد يزيد من تعقيد إنتاج العلاج وتكلفته، ويحد من سهولة توفيره على نطاق واسع.
وتعمل الجسيمات النانوية الدهنية بوصفها ناقلات للتعليمات الوراثية، إذ تساعد على إيصالها إلى الخلايا المستهدفة، بما يتيح تعديل وظائفها من دون الحاجة إلى إخراجها من الجسم.
ويمنح هذا الأسلوب الباحثين فرصة لتطوير علاجات تستهدف أنواعاً محددة من الخلايا، سواء كانت خلايا سرطانية أو خلايا مناعية تهاجم أنسجة سليمة عن طريق الخطأ، وهو ما قد يفتح المجال أمام مقاربات علاجية أكثر تخصصاً.
وأظهرت نتائج الدراسة أن التقنية أتاحت إعادة برمجة نحو 80 بالمئة من الخلايا المناعية المستهدفة في التجارب التي أجراها الباحثون، بما يشير إلى قدرتها على إيصال التعليمات الوراثية إلى نسبة كبيرة من الخلايا المقصودة.
وأظهرت التجارب على نماذج بحثية لسرطان الميلانوما، وهو أحد أنواع سرطان الجلد، ولمفوما الخلايا التائية، تراجعاً في حجم الأورام، ووصلت النتائج إلى اختفاء الأورام في بعض الحالات.
وتأتي هذه النتائج في سياق الاهتمام المتزايد بالعلاجات المناعية التي تعتمد على تحفيز دفاعات الجسم لمقاومة السرطان، بدلا من الاعتماد حصراً على استهداف الخلايا الخبيثة بالأدوية أو غيرها من الوسائل العلاجية.
وتقوم الفكرة على توجيه الخلايا المناعية إلى أهداف محددة، بما قد يعزز قدرتها على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
ومع ذلك، فإن النتائج المسجلة في النماذج البحثية تمثل مرحلة أولية من التطوير، ولا تكفي وحدها لإثبات فاعلية التقنية لدى البشر. إذ يتعين إجراء مزيد من الدراسات لتحديد مدى استمرار تأثير إعادة البرمجة، ومدى قدرة العلاج على الوصول إلى الخلايا المطلوبة بدقة، إلى جانب تقييم آثاره الجانبية المحتملة ومقارنته بالخيارات العلاجية المتاحة.
ولا تقتصر التطبيقات المحتملة للتقنية على السرطان، بل تمتد إلى أمراض المناعة الذاتية، التي تنشأ عندما يهاجم الجهاز المناعي أنسجة الجسم السليمة بدلاً من حمايتها.
وفي هذه الحالات، قد يوفر استهداف الخلايا المناعية المسؤولة عن إحداث الضرر بديلاً عن تثبيط الجهاز المناعي على نطاق واسع، وهو ما قد يساعد على الحد من الهجمات المناعية مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من وظائفه الدفاعية الطبيعية.
وفي هذا الإطار، أظهرت الدراسة أن التقنية ساعدت على استهداف الخلايا التائية التي تهاجم الكبد في نماذج بحثية لالتهاب الكبد المناعي الذاتي، ما أدى إلى تقليل أعداد هذه الخلايا والحد من الأضرار التي لحقت بالكبد.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأنها تشير إلى إمكانية استخدام إعادة البرمجة المناعية للتعامل مع الخلايا التي تقف وراء المرض، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الالتهاب أو كبح الاستجابة المناعية بصورة عامة.
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه المقاربة مستقبلاً في تطوير علاجات لأمراض مناعية أخرى، من بينها التصلب المتعدد والتهاب المفاصل الروماتويدي، اللذان يرتبطان باستجابات مناعية غير طبيعية تؤدي إلى إلحاق الضرر بأنسجة الجسم.

التعليقات