الكلمات ليست مجرد مفردات نستخدمها، بل تحمل في داخلها بعض المعاني والصراعات، وقد تتحول أحيانًا من وصفٍ إلى تهمة، ومن فكرةٍ إلى وسيلة للإقصاء والمواجهة.
ومن هذا المدخل، يختار الدكتور محمد إقبال حرب عنوان “الزنديق” لمجموعته القصصية، فاتحًا الباب أمام أسئلة شائكة تتجاوز حدود المصطلح إلى جوهر العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الحرية والخضوع، وبين الفقر والكرامة الإنسانية.
فماذا أراد الكاتب من وراء هذا العنوان المثير للجدل؟ وكيف تتحول الحكاية القصصية إلى مساحة لمساءلة الواقع ومواجهة تناقضاته؟ هذه الأسئلة وغيرها نطرحها في حوار مع الدكتور محمد إقبال حرب، حول مجموعته القصصية “الزنديق”، وما تفتحه من أسئلة عن الإنسان والمجتمع والحرية.
عنوان المجموعة “الزنديق”، لماذا اخترت هذا العنوان تحديدًا وما هي دلالته؟
“الزنديق” هذا العنوان المثير للجدل، كما قال لي أحد الكتَّاب، يفرّق بين زنديق اليوم وزنديق الأمس.
تتغيَّرُ معاني الكلمات ودلالاتها عبر العصور، والأمثلة كثيرة على ذلك، فكلمة رائع كان يُقصد بها ما يُخيف وما يُريع، واليوم، أصبحت تعني الجَمال والإعجاب الشديد بشيء. كذلك كلمة السيّارة التي كانت تُطلَق على القافلة المارّة أو السائرين في سفر، تدلُّ، اليوم، على المركبة المعروفة.
أما كلمة “زنديق” فكانت تشير إلى من يُظهر الإسلام ويُبطن الكُفر أو من لا يؤمن بالآخرة أو وحدانيَّة الخالق، أما اليوم فأراها تنطبقُ على من يناوئ السُّلطان على أي وجه، أو تُستعمل ضدّ من له فِكر يأبى المذلّة والخنوع ومن يواجه جشعًا وطمعًا من “الأسياد” المعاصرين، بالكلمة والعمل، كأنما يكفر بمن ظنَّ أنهم ارتقوا إلى مصاف الآلهة.
“زنديق” عصرنا يحارب هو وأسرتُه، وأحيانًا معارفُه للحصول على أدنى ما يمكنّهم من البقاء أحياء في ظروف تخجل منها الكلاب الضالّة. زنديق عصرنا يتمّ إسكاته قبل أن يبوح، ويُترك للتيارات الاجراميَّة لتجنّده فيخسر نفسه إن وافق أو لم يوافق. سيّد الموقف الذي أصدر فرمانًا بزندقته لا يرى ولا يسمع إلا رنين الذهب.
زنديق عصرنا مُحلّل الروح والدَّم واستلاب ما يُبقيه على الحياة. وبما أنَّ زنادقة العصر الحديث استحقوا اللَّقب بشرَف، أتشرف بتسمية الكتاب باسمهم. يلتقي الزنديقان في نتائج التُهم ويفترقان في أسبابها.
من هو “الزنديق”؟ وهل أردت أن تعيد تعريف الزندقة باعتبارها موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا قبل أن تكون حكمًا دينيًا؟
أجبتُ على معظم السؤال أعلاه. الصِّراع مع السلطة ورجال الدين الذين يمارسون دين الأرض لا دين السماء، ويتكاتفون مع الفقر والموت، ويسحبون كلّ حبل يُنجد “زنديقًا” من بئر الموت الزؤام. نعم، الزنديق في عصرنا هو من رفض قيم الحاكم ومبادئه المجحفة الظالمة، سرًا وعلنا. ألا ترى حملات تشويه صورة المفكرين في وسائل الإعلام؟ ألا ترى كمّ الذين يُطردون من أعمالهم ويحارَبون في رزقهم كونهم أجهروا أو أسرّوا برفض مُمارسات الحُكم أو التشريع الديني المسيّس؟
معظم الشخصيات في المجموعة تبدو في مواجهة قوة أكبر منها: المجتمع، السلطة، الموت، الفقر، الدين.. هل يمكن القول إن الصراع مع السلطة هو الخيط السري الذي يجمع القصص؟
شخصيات الرواية ما هي إلا عيّنات بسيطة من أوجه المعاناة التي يواجهها المواطن الذي تكالبت، أو انقلبت عليه قوى يُفترض بها أن تكون سنده فعليًا في صراع الوجود. توافَق القصر والمعبد في عصرنا، كما في كلّ العصور، على استغلال المواطن لحلب آخر نقطة كبرياء وإنسانية من ثدي جفّفه الطغيان. شخصيات الرواية لم ترضَ بواقع يُنافي كلّ أسباب وجودها، انحطَّت فيه إنسانيّة بشر إلى أدنى من وحشية الحيوانات فافترسوا أبناء جنسهم “المتمرّدين”، مع أن الحيوانات لا تفعل ذلك.
في نهاية قصة “انتبه لخطوتك” تظهر عبارة “هناك أرض العبيد” هل الرحلة التي بدأتها الشخصية بحثًا عن الحذاء كانت في الحقيقة رحلة اكتشاف أنها تعيش في عالم من العبوديَّة؟
عندما يتوارثُ الشعب العبوديَّة تُصبح نمطًا طبيعيًا، وإذا أضفنا سياسة التجهيل والاستحمار الممنهجة، تحت شعارات مقدّسة، تُصبح الأغلال قيدًا يُعتز به. لا ننسى الأوهام التي تُزيّن دهاليز العبوديَّة، فيتضاعف الخوف، لأنَّ مَن يتنفَّس العبوديَّة في ظلام الجهل يخاف هواء الحرية. طالما هناك عبد هناك سيّد يعمل على تكثيف ظلام عبوديته. لذلك، قصة “انتبه لخطواتك” مِصباح يكشف حقيقة عالم العبوديَّة، ويُنقّب عن معابر إلى أرض الكرامة والكبرياء. مَن بحثَ عن حذائه في قصة “انتبه لخطواتك”، حبا خطواته الأولى إلى درب الحريّة.
في “ثورة الأحذية” لماذا تتكرر صورة “السيد والعبد” في أكثر من موضع؟ وهل ترى أن علاقة القوة هي أحد المفاتيح الأساسية لفهم الإنسان والمجتمع؟
كل إنسان يعمل بكَدّ ولا يجد متطلبات حياته اليومية من مأكل ومشرب وتعليم، ولا يسكن في مكان لائق، فيما صاحب العمل، سواء كان سلطة أو فردًا، يعيش في رغد باذِخ ولا يحرّك ساكنًا، هو عبد لسيّد صلف غَرور. موقف الحذاء الحرّ هو مصباح في دهاليز العبوديَّة أنار حقيقة يُخفيها “السيّد”.
يحضرني قول الإمام علي “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”، فكيف بالتفقير الممنهج والسيّاط التي تحفر ندبات المذلّة في روح كل مواطن. القوّة التي أشرت إليها هي باب واحد، أخير، في التحرّر من أسياد العبيد، بل إنهاء عصرهم كليًا. المفتاح الأول هو الوعي والعلم، وهو سلاح “زنادقة عصرنا”، فمَن عرف نفسه وحقوقها نزع من يديه أساور العبوديَّة وأجبر “السيّد” أن يجابهه بالعقل والمعرفة. يعافر الأسياد كلّ باب معرفة يسلُبهم نقيرًا، أو كل يد تسحب بساط السلطة من تحتهم، ما لا يترك مجالًا إلا لاستخدام السلاح الأخير، القوّة.
في “دين الفناء” يصل الإنسان إلى أقسى درجات الاحتياج، فيبحث عن رغيف في حاويات القمامة، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تتحول حاجته إلى وسيلة لاستعراض المتبرعين.. هل أردت أن تقول إن الإنسان قد يفقد أشياء كثيرة تحت وطأة الفقر، لكنه يتمسك بآخر ما تبقى له، كرامته؟
هل تعرف مدى المذلّة، واحتقار النفس التي تتفجر داخل رجل لا يملك نقيرًا، أو كسرة خبز لزوجه وأطفاله الجياع؟ لقد رأيتُ بأمّ العين أُناسًا شرفاء يخسرون كرامتهم عند حاويات القمامة للبقاء أحياء عبر بقايا طعام ينزّ عصارته. في تلك اللحظة يُفضّل الرجل أن ينهي حياته على أن يرى كرامته تسقط في حاوية قمامة، تلعقها القطط والكلاب. ما تُراه يفعل لإسكات وخز جُهنم الذي يعانق جوعه وجوع أسرته؟.
خسارة الرجل صفة “ربّ البيت” تصبح عارًا لمن كبلّته الحاجة المرّة. في تلك اللحظة قرّرت شخصية “قصّة الفناء” الإيمان برب العدم، الذي هو البحر. قد يجدها البعض كفرًا أو جبنًا، لكنني أراها قمة الاعتداد بالنفس، فمن يتخلّى عن روحه، أثمن ما في الوجود، يحمل كبرياء وكرامة تطغى على البشريّة جمعاء. ما كان التخلّي هباء منثورًا أو نقص إيمان بل واقع مرير أنهى انسانيَّته.
هل الإنسان يفقد حريته تدريجيًا: مرة باسم الدين، ومرة باسم السلطة، ومرة باسم العلم، ومرة باسم المال؟
منذ طفولتنا، تعلّمنا التخلّي عن قراراتنا، باسم دين البشر، لا دين السماء. منعوا عنّا التفكير، عليك فقط أن تقول: حاضِر ونعم. نحن نفكّر عنك، نقرّر عنك، نبكي عنك، نأكل عنك… نعيش عنك. علّمنا المجتمع أن نخاف ممن يجدر به حمايتنا، إذ أكثر ما يخافه المواطن في بلادنا هو الشرطة.
إله البشر سيعذبنا، يُحرقنا ويُدخلنا النار بسبب أي هفوة، ومتى تمرّدنا دمغونا على جبيننا بالكُفر. ومَن أبدى رأيه لصاحب القوة اعتُبر متمرّدًا فتخطفه الجنّ ولا يُعرف له قرار إلا بعد أن تأكله ديدان الرمم وسياط الجلادين. أما سيّد المال، السيّد الخفي الذي يحكُم الجميع برايته الخضراء، وسيّد الجهل الذي “سفّه” التعليم وجعله “زندقة”، فعذابه سلس، قاتل ببطء. كل هذه العوامل سلبت حتى الجنين حرية الصراخ والبوح بالجوع. تدرُّج سلّم العبوديَّة مفروض على كلّ “مواطن” ولد في سجن كبير بابه شاهق ملوّن بهباب الحرية المحروقة كتب عليه “وطن”.
هناك حضور قوي لفكرة الإنسان الذي يبحث عن معنى: يبحث عن طفولته، وعن روحه، وعن وطنه.. الخ فهل يمكن القول إن شخصيات “الزنديق” كلها تبحث في النهاية عن طريق للعودة إلى ذاتها؟
وهل لنا غير انسانيَّتنا والذات النقية؟ اشتقنا لهما بعد تفريقنا عنهما، نخاف أن نندبهما وأن نُقيم لهما مأتمًا حتى لا نفقد الأمل في عودتهما. لكل إنسان من أيّ عرق ولون وملّة الحقّ بإنسانيّته، أن يستمتع بطفولته، أن يحقق أحلامه، أو قُل أن يحاول مرارًا. الإنسان هو محور كتاباتي، أليست كلمة إنسان هي التي فرّقتنا عن تصنيف “بشر” كأحد أجناس الثدييّات. لكن هل من عودة لكهل إلى طفولته، التي لم يعرِف، ليستمتع بها؟
هل من وسيلة للاستمتاع بوطن غير موجود إلا في سِجن كبير يحمل الاسم نفسه “وطن”؟
نحن نبحث عن وسائل تضمن كلّ ذلك لجيل لم يُصفّد بأغلال العبوديَّة قبل أن يبحث عن ثدي يُرضعه، فعودة الكهل إلى صباه مهمة مستحيلة، لكن صراعه لتأمين عدالة إنسانية لأجيال قادمة هي قمة العطاء الإنساني.
الحوار يتجاوز أحيانًا نقل الكلام بين الشخصيات إلى مناقشة أفكار ومواقف.. كيف توظف الحوار داخل البناء القصصي؟
إذا لم يكن الحوار هادفًا بنَّاء لطرح الأفكار واتّخاذ المواقف فلا جدوى منه. أنا لا أوظّف الحوار داخل البناء القصصي أو الروائي، لأنني أجده ينساب على لسان الشخصيَّات، تحملني أشجانهم، آلامهم بعيدًا إلى دواخلهم، يملأ مدادها يَراعي حتى أشعر بالخجل وأنا أخط الحوار.
هل كنت تبحث عن إدانة بعض الأفكار والمواقف، أم عن طرحها أمام القارئ ليعيد النظر فيها؟
لا داعي للبحث عن أفكار ومواقف لأدينها، فهي في كلّ مكان وآن، لا تستدعي إلا أن تلتقطها وتبحث فيها. لكن هذه مهمّة صعبة في مجتمعاتنا التي تربّت على الكذب والتدليس فلا تجهّر بحقيقة أفكارها، ولا تتّخذ مواقف صريحة، كما لا تناقش الأفكار التي تستحقّ بصدق وشفافيّة. لكنني لا أخجل من طرح الأفكار المختلفة أو إدانة أفكار أخرى، كما لا أخجل من اتخّاذ موقف ما. ليس بالضرورة أن تكون أفكاري صائبة دائمًا، كما ليس بالضرورة أن تكون الأفكار التي أناقشها أو أواجهها غير صائبة. إنها الحرية والحوار الإنساني المتمدن الذي اتّخذ سبيله المُفكّرون عبر آلاف السنين بهدف الوصول إلى إنسان أفضل.
وأخيرًا إذا كان القارئ سيخرج بفكرة من هذه المجموعة القصصية فما السؤال الذي تريد أن يبقى معه بعد إغلاق الصفحة الأخيرة؟
من الطبيعي أن يخرج القارئ بأسئلة ومواقف متباينة، وأتمنى أن تترك هذه المجموعة القصصيَّة أكثر من سؤال ورأي في ذهن القارئ، متمنيًا أن يشاركني رأيه، إيجابًا أم سلبًا.

التعليقات