التخطي إلى المحتوى

حين تخطئ النظريات الاقتصادية

قد تبدو المعادلات الاقتصادية بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية، لكنها في الواقع حاضرة في كل شيء تقريباً: من سعر الفائدة الذي يحدد تكلفة الاقتراض، إلى الضرائب التي تؤثر في الاستهلاك، والقرارات الحكومية التي ترسم اتجاهات الاستثمار والعمل.

 

المشكلة أن النماذج التي يعتمد عليها الاقتصاديون وصانعو السياسات ليست مرآة كاملة للواقع، بل تبسيطات تحاول اختزال عالم شديد التعقيد في مجموعة من الفرضيات والمؤشرات.

 

 

ومن هنا تنطلق أربعة كتب اقتصادية حديثة من سؤال واحد، وإن اختلفت طرق الإجابة عنه: ماذا يحدث عندما تصبح النظريات والنماذج الاقتصادية أكثر تأثيراً في حياتنا من قدرتها على تفسير العالم الحقيقي؟

 

تتناول الكتب العلاقة بين الأفكار الاقتصادية والسياسات العامة والسلوك اليومي من زوايا مختلفة، وتطرح تساؤلات حول مدى صلاحية الأدوات التي يستخدمها الاقتصاديون لفهم التضخم والنمو والأسواق والاستهلاك، وما إذا كانت بعض النماذج التقليدية قد أصبحت بحاجة إلى مراجعة في عالم أكثر تعقيداً وتجزؤاً.

 

حين تقود النظريات إلى قرارات خاطئة

 

في كتاب «قوة التدمير: كيف قاد الاقتصاد السيئ إلى تراجع أمريكا»، يرى الاقتصادي الأمريكي “جيمس ك.غالبريث” أن الاعتماد المفرط على أفكار اقتصادية قديمة ساهم في دفع صانعي السياسات في الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرارات غير صائبة.

 

ويقدم “غالبريث”، الأستاذ في جامعة “تكساس” في أوستن، قراءة واسعة لعدد من التحديات التي واجهتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من موجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا، مروراً بالعقوبات المفروضة على روسيا، وصعود الصين، ووصولاً إلى المحاولات الرامية إلى إعادة إحياء الصناعة الأمريكية.

 

ويحاول الكتاب إثبات أن التركيز الأعمى على بعض العقائد الاقتصادية التقليدية ربما أسهم في تشكيل طريقة تفكير قادت إلى سياسات أقل ملاءمة للواقع.

 

ومن أبرز النقاط التي يطرحها “غالبريث” انتقاده لاعتماد علم الاقتصاد بدرجة مفرطة على مؤشرات منفردة، مثل الناتج المحلي الإجمالي، والتضخم، والأرصدة المالية.

 

فهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تقدم بالضرورة صورة شاملة عن صحة الاقتصاد أو مستوى رفاه المجتمع.

 

كما يرى أن منطق الاقتصاد السائد ربما منح الولايات المتحدة شعوراً زائفاً بالأمان، بعدما جرى التركيز على نمو الناتج المحلي وكفاءة الأسواق على حساب عوامل أخرى مثل المرونة الصناعية والأمن القومي والقدرة على مواجهة الصدمات.

 

 

ومع ذلك، فإن إثبات علاقة سببية مباشرة بين استخدام أدوات اقتصادية قديمة وبين الأخطاء التي ارتكبتها الحكومات أو البنوك المركزية ليس أمراً سهلاً.

 

لكن أهمية الكتاب تكمن في توقيته، خصوصاً في ظل عالم يشهد انقساماً جيوسياسياً وتنافساً اقتصادياً متزايداً.

 

وتتمثل رسالته الأساسية في ضرورة التعامل مع الاقتصاد باعتباره مجموعة من الأدوات التي ينبغي استخدامها وفق السياق، وليس باعتباره مجموعة من القوانين الثابتة التي تصلح لكل زمان ومكان.

 

ماذا يحدث داخل النماذج الاقتصادية؟

 

إذا كان “غالبريث” يطرح السؤال على مستوى السياسات والاقتصاد الكلي، فإن “جريج كابلان” يتعمق في الآليات التي يستخدمها الاقتصاديون أنفسهم لفهم الاقتصاد.

 

في كتاب «الاقتصاد الكلي: النماذج الاقتصادية التي تشكل عالمنا»، يقدم أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو قراءة للنماذج الإحصائية التي يعتمد عليها الاقتصاديون في تفسير حركة الاقتصاد، مع التركيز على الفجوة بين هذه النماذج المبسطة وبين العالم الذي نعيش فيه فعلياً.

 

ويشكل الكتاب مدخلاً مهماً لفهم سبب ظهور النظرية الاقتصادية أحياناً منفصلة عن التجربة اليومية.

 

ويتتبع كابلان تطور التفكير في الاقتصاد الكلي، بدءاً من أفكار “جون مينارد كينز”، وصولاً إلى نماذج «الوكيل التمثيلي»، التي تتعامل مع الاقتصاد كما لو أن هناك أسرة واحدة تمثل الأسر على نطاق واسع.

 

وقد هيمنت هذه النماذج على جزء كبير من التفكير الاقتصادي، لكنها واجهت انتقادات بسبب تجاهلها الاختلافات الكبيرة بين الأسر في مستويات الدخل والثروة والسيولة.

 

ومن هنا يشرح “كابلان” نماذج «كينزية جديدة للوكلاء غير المتجانسين»، التي شارك في تطويرها، وتسمح بإدخال الاختلافات بين الأسر في النماذج الاقتصادية.

 

ويبين الكتاب كيف يمكن لنموذج يعتمد على أسرة تمثيلية واحدة أن يقود إلى استنتاجات مختلفة عن تلك التي تظهر عند احتساب الفروق بين الأسر، سواء أثناء الصدمات الاقتصادية الحادة أو عند اتخاذ البنوك المركزية قراراتها المعتادة.

 

واللافت أن “كابلان” لا يقدم نموذجه باعتباره نهاية التطور الاقتصادي.

 

بل يبدي قدراً واضحاً من التواضع العلمي، مشيراً إلى أن النماذج الحالية نفسها قد يتم تجاوزها مستقبلاً، وأن جزءاً مما نعتقد أننا نعرفه اليوم قد يثبت خطؤه، فيما ستظل هناك أمور كثيرة تحتاج إلى التعلم والفهم.

 

الاقتصاد في صورة حكاية

 

في كتاب «كل إنسان: قصة الاقتصاد في ثلاثة فصول»، تختار “أنتارا هالدار”، أستاذة القانون والاقتصاد في جامعة كامبريدج، طريقة أكثر إبداعاً لتقديم تاريخ الاقتصاد والرأسمالية.

 

بدلاً من الغرق في المصطلحات والنماذج، تحوّل “هالدار” الأفكار الاقتصادية إلى شخصيات، من بينها «نيو»، الذي يمثل الإنسان العقلاني، و«فين»، الذي يجسد نموذج العامل في قطاع المال، و«دافوس»، الذي يمثل العولمة.

 

وتتقاطع فكرتها مع أطروحات “غالبريث” و”كابلان” في الاهتمام بالمسافة بين النماذج الاقتصادية والواقع المعقد الذي تحاول تفسيره.

 

لكنها تتعامل مع المسألة بصورة أكثر تجريداً، إذ تستخدم الشخصيات لتمثيل أفكار متنافسة حول طبيعة الإنسان والأسواق والمجتمع.

 

وقد يبدو هذا الأسلوب مبالغاً في الخيال بالنسبة لبعض القراء، لكنه يمكن أن يجعل المفاهيم الاقتصادية أكثر سهولة، ويوفر بديلاً عن الطريقة المعقدة والمليئة بالمصطلحات التي تقدم بها هذه الأفكار عادة.

 

 

عندما يصنع الاقتصاد رغبة الاستهلاك

 

أما كتاب «آلات النمو: عن أفراح الاستهلاك الزائفة في صحراء الحياة الاقتصادية»، فينتقل من السياسات والنماذج إلى سلوك الأفراد.

 

ويركز “مارك جوزيف ستيلزنر”، أستاذ الاقتصاد في كلية كونيتيكت، على أحد الانتقادات الموجهة إلى اقتصادات السوق الليبرالية، والمتمثل في دورها في تشجيع الاستهلاك الاستعراضي أو الاستهلاك الذي يمنح شعوراً مؤقتاً بالسعادة.

 

ولا يكتفي المؤلف بمناقشة الرغبة في شراء المزيد، بل يبحث في جذورها داخل النظام الاقتصادي الحديث، مشيراً إلى دور الإعلانات، والمقارنة الاجتماعية، والحوافز التي تدفع الشركات إلى تنشيط رغبات المستهلكين باستمرار.

 

ويرى “ستيلزنر” أن التعامل مع الأضرار المرتبطة بالإفراط في الاستهلاك لا يملك حلاً سهلاً.

 

ويشير إلى اتجاه متزايد نحو تقليل الاستهلاك طوعاً، إلى جانب إمكانية استخدام الضرائب والتنظيم للحد من بعض الآثار السلبية.

 

ويقدم الكتاب قراءة تحليلية واسعة للميل التلقائي إلى الاستهلاك، ويخلص ضمنياً إلى أن إدراك المشكلة قد يكون الخطوة الأولى نحو التعامل معها.

 

وفي النهاية، تجمع الكتب الأربعة بين موضوعات تبدو متباعدة ظاهرياً، لكنها ترتبط بجوهر واحد: الاقتصاد ليس مجرد أرقام ومعادلات، بل منظومة من الأفكار والنماذج والحوافز التي تؤثر في قرارات الحكومات والشركات والأفراد.

 

وقد تكون المشكلة أحياناً في الاقتصاد نفسه، أو في الطريقة التي نستخدم بها أدواته، أو في الفجوة بين النموذج النظري والواقع. لكن الرسالة المشتركة تبدو أكثر بساطة: حين تصبح النماذج الاقتصادية بديلاً عن الواقع بدلاً من أن تكون وسيلة لفهمه، قد تتحول الأداة التي يفترض أن تساعدنا على اتخاذ القرار إلى جزء من المشكلة.

 

المصدر: “فاينانشال تايمز”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً