التخطي إلى المحتوى

عندما يتحوّل النجاح إلى نقطة عمياء

في كثير من الأحيان، لا تكمن مشكلة القادة في نقص المهارات، بل في الإفراط في الاعتماد على ما نجح معهم سابقاً. النجاح، الذي يُفترض أن يكون نقطة انطلاق، قد يتحول تدريجياً إلى قيد غير مرئي يحدّ من القدرة على التكيّف والتطور. هنا تبدأ المفارقة: ما أوصلك إلى القمة قد يمنعك من البقاء فيها.

 

هل لاحظت يوماً أن أذكى شخص في الغرفة ليس دائماً أفضل قائد؟

 

القادة الجيدون ينجحون في إشراك الموظفين وتحسين معنوياتهم، بينما يفعل القادة الضعفاء العكس. فالقائد الجيد قادر على تشكيل نبرة الفريق وثقافته. نعرف جميعاً هذه الحقيقة، ومع ذلك نرى كثيراً من القادة الأكفاء يواجهون صعوبات.

 

 

أفضل المدربين

 

كما أن أكثر الرياضيين موهبة لا يصبحون بالضرورة أفضل المدربين. هذا ليس مستغرباً؛ فكثير من أصحاب الأداء العالي تتم ترقيتهم إلى مناصب قيادية بناءً على خبرتهم وكفاءتهم التقنية. وعندما يواجهون تحديات جديدة — وهو أمر حتمي في القيادة — يتعامل الدماغ معها من خلال العدسة التي قادتهم إلى النجاح سابقاً.

 

لقد رأيت هذه الأنماط تتكرر مراراً، بل ووجدت نفسي أقع فيها أحياناً.

 

هذه النقاط العمياء ليست عيوباً شخصية، بل نتائج طبيعية لكيفية تكوّن الأنماط في الدماغ. مع مرور الوقت، تتحول نقاط القوة إلى استراتيجيات افتراضية، وهذه الاستراتيجيات قد تتصلب تدريجياً لتصبح نقاطاً عمياء.

 

وتظهر عدة أنماط متكررة في القيادة:

 








ممارسات تعمي القيادة

1- الإفراط في الاعتماد على الذكاء العقلي على حساب الذكاء العاطفي

 

 


القيادة، على عكس الإتقان التقني، تحدث في بيئات اجتماعية. التفكير التحليلي يعتمد بشكل أساسي على مناطق في القشرة الجبهية للدماغ، بينما ترتبط العواطف واكتشاف التهديد وبناء الثقة بالجهاز الحوفي، وهو جزء أكثر بدائية.


 


مشاعرنا عنيدة ومرتبطة بغرائز البقاء. القادة الذين يفتقرون إلى الوعي بمشاعرهم قد يثيرون دون قصد ردود فعل دفاعية لدى الآخرين، بدلاً من تعزيز التعاون. وتحت الضغط، تظهر أنماط التفكير الافتراضية تلقائياً، مما يخلق حلقة مفرغة.


 

2- التركيز المفرط على الأهداف قصيرة المدى

 


 

 


السعي لتحقيق الأهداف قد يكون محفزاً للغاية وغالباً ما يدفع الإنتاجية. تحقيق الأهداف ينشّط مسارات المكافأة المرتبطة بالدوبامين في الدماغ، ما يعزز السرعة والكفاءة والتركيز على النتائج، وقد يخلق نوعاً من “إدمان النجاح”.


 


لكن لهذا جانب سلبي: عند عدم تحقيق الأهداف، قد تنتقل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل من القائد إلى الفريق دون وعي.


 


علم الأعصاب يوضح أن الدافعية لا تعتمد فقط على النتائج، بل أيضاً على المعنى والانتماء. الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة وإعادة التأكيد على الهدف المشترك يساعدان في تنظيم المناخ العاطفي داخل الفريق.


 

3- السعي المفرط للدقة ما يؤدي إلى شلل التحليل

 


 

 


يُطلب من القادة اتخاذ قرارات في ظل عدم اليقين وغياب المعلومات الكاملة. هذا الغموض قد يبدو مهدداً لدماغ معتاد على تقدير الخبرة والدقة والكفاءة.


 


الاستجابة الافتراضية قد تكون “شلل التحليل”، أي تجنب المخاطر وتأجيل القرارات حتى تتوفر معلومات إضافية. هذا القلق من عدم اليقين يمكن أن ينتقل إلى الفريق ويقلل من مستوى التفاعل والمشاركة.


 

4- الاعتماد المفرط على التسلسل الهرمي ما يعيق التعاون

 

 


للسلطة والتنظيم الهرمي دور مهم؛ فهي توفر الهيكل وتقلل الفوضى والعبء الذهني. لكنها قد تحدّ أيضاً من الذكاء الجماعي.


 


العالم اليوم أكثر تعقيداً، والهياكل الصارمة قد تفشل في استيعاب ما يبرع فيه العقل البشري: دمج وجهات نظر متعددة وسرديات مختلفة وملاحظات دقيقة يصعب قياسها.


 


قبل اللجوء إلى السلطة الهرمية، يمكن للقادة التوقف والتساؤل: هل نستخدمها لأن القرار يتطلب ذلك فعلاً، أم لأننا نربط هويتنا بها؟ فالصمت قد يُفسَّر بسهولة على أنه موافقة، بينما قد يخفي تردداً أو اعتراضاً غير مُعبَّر عنه.


 

 

 

الوعي الذاتي كأداة قيادية

 

القدرة على التوقف والتفكير في كيفية عمل عقولنا — أو ما يُعرف بما وراء الإدراك — تمثل أداة قوية في القيادة. عندما نمارس هذا النوع من الوعي، تصبح القيادة أقل ارتباطاً بالدفاع عن نقاط القوة، وأكثر تركيزاً على ملاحظة اللحظة التي تبدأ فيها هذه النقاط نفسها بتقييدنا.

 

في النهاية، النقطة العمياء الحقيقية ليست في ضعفنا، بل في تمسكنا غير الواعي بما جعلنا ناجحين في الماضي.

 

المصدر: “سيكولوجي توداي”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً