التخطي إلى المحتوى

من يملك عالمنا الرقمي؟

في زمنٍ لم تعد فيه المدن هي مركز الحياة الاجتماعية، بل الشاشات، بات السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك هذا الفضاء غير المرئي الذي نعيش فيه؟ لم تعد المسألة مجرد تطبيقات نستخدمها للتواصل، بل بنية كاملة تُعيد تشكيل وعينا وعلاقاتنا وحتى قدرتنا على التفكير الجماعي.

 

في هذا السياق، يقدّم كتاب “فضاء العالم” “The Space of the World”  للمفكر البريطاني نِك كولدري رؤية نقدية عميقة لما آلت إليه منصات التواصل الاجتماعي، ويطرح تساؤلاً جريئاً: هل يمكن استعادة هذا الفضاء من قبضة الشركات العملاقة، أم أن الأوان قد فات؟

 

 

خطأ تاريخي

 

ينطلق كولدري من فكرة أساسية مفادها أن البشرية ارتكبت خطأً تاريخياً عندما سمحت للشركات الخاصة بتصميم فضائها الاجتماعي الرقمي.

 

قبل نحو عقدين أو ثلاثة، كان الإنترنت مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، لكن هذا الدور تحوّل تدريجياً إلى شيء أكثر عمقاً وتأثيراً.

 

اليوم، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات، بل أصبحت البيئة التي نعيش داخلها، حيث تتشكل العلاقات وتُبنى الهويات وتُخاض النقاشات السياسية.

 

يرى كولدري أن هذا التحول لم يكن بريئاً، بل جاء نتيجة سيطرة نموذج اقتصادي قائم على تعظيم الأرباح والانتباه.

 

هذا النموذج، بحسب تحليله، أعاد تشكيل “الفضاء الاجتماعي العالمي” بطريقة تخدم مصالح الشركات أكثر مما تخدم المجتمعات. فبدلاً من تعزيز الروابط الإنسانية، أصبحت هذه المنصات تميل إلى إثارة الانقسام، وتغذية الاستقطاب، ودفع المستخدمين نحو التفاعل المستمر بأي ثمن.

 

3 أفكار محورية

 

يطرح الكتاب ثلاث أفكار محورية لفهم هذا الواقع. أولها أن وسائل التواصل لم تعد مجرد وسيط، بل أصبحت الإطار الذي تُنظم من خلاله الحياة اليومية.

 

نحن لا نستخدم هذه المنصات فقط، بل نعيش “معها، ومن خلالها، وداخلها”، كما يقول كولدري. فكل لحظة تقريباً، من الأحداث الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة، يتم توثيقها ومشاركتها، ما يجعل هذه المنصات بمثابة المسرح الرئيسي للحياة الإنسانية المعاصرة.

 

أما الفكرة الثانية، فتتعلق بتشوه هذا الفضاء نتيجة هيمنة منطق الربح. إذ تعتمد الشركات الكبرى على خوارزميات مصممة لتعظيم التفاعل، وهو ما يؤدي إلى تضخيم المحتوى المثير للجدل أو العاطفي، على حساب النقاشات المتوازنة.

 

هذا التشويه لا يقتصر على الجانب الإعلامي، بل يمتد ليؤثر على بنية المجتمع نفسه، حيث تتراجع الثقة، ويتزايد الاستقطاب، وتضعف القدرة على بناء توافقات مشتركة.

 

وفي الفكرة الثالثة يحذر كولدري من أن هذا الوضع لا يهدد الديمقراطية فحسب، بل يهدد أيضاً قدرة البشرية على مواجهة التحديات الكبرى، مثل التغير المناخي. فغياب الشعور بالانتماء المشترك يجعل من الصعب حشد الجهود الجماعية لمواجهة الأزمات العالمية.

 

 

خطاب الكراهية

 

ويستشهد بعدد من الأمثلة التي تُظهر كيف يمكن لوسائل التواصل أن تؤجج الصراعات، سواء من خلال نشر خطاب الكراهية أو تعزيز الانقسامات الاجتماعية.

 

لكن الكتاب لا يكتفي بالتشخيص، بل يحاول استشراف البدائل. يدعو كولدري إلى إعادة تصميم جذرية للبنية الرقمية، بحيث تكون موجهة لخدمة الصالح العام، لا الأرباح. ويتخيل منصات تركز على رفاهية المستخدمين، وتضمن الشفافية والمساءلة، وتُعزز التعاون بدلاً من المنافسة.

 

غير أن هذا الطرح يواجه تحديات كبيرة. فالشركات الكبرى تمتلك موارد هائلة ونفوذاً واسعاً، ما يجعل من الصعب منافستها أو إجبارها على تغيير نموذجها.

 

كما أن المستخدمين أنفسهم أصبحوا مرتبطين بهذه المنصات بشكل عميق، ما يجعل فكرة التخلي عنها أمراً معقداً من الناحية الثقافية والسلوكية.

 

نماذج بديلة

 

مع ذلك، يشير كولدري إلى وجود نماذج بديلة بالفعل. من أبرزها منصة “ماستودون”، التي تعتمد على نظام لامركزي ولا تستخدم الإعلانات أو خوارزميات التلاعب بالانتباه.

 

في هذه المنصات، يكون المستخدم هو من يحدد ما يريد رؤيته، وليس العكس. لكن نجاح هذه البدائل، بحسب الكاتب، يتطلب ما يسميه “الإرادة الثقافية” لدى المجتمعات، أي الاستعداد الجماعي لتغيير العادات الرقمية السائدة.

 

هذه النقطة تحديداً تفتح باباً للنقاش حول مسؤولية الأفراد، وليس فقط الشركات. فبينما تنتقد الكثير من التحليلات سلوكيات الشركات التقنية، يذكّر كولدري بأن المستخدمين أنفسهم يساهمون في ترسيخ هذا النموذج من خلال استمرارهم في استخدام هذه المنصات رغم إدراكهم لمشكلاتها.


تجاهل الإيجابيات

 

وفي سياق تقييم الكتاب، يتضح أن كولدري يركز بشكل كبير على الجوانب السلبية لوسائل التواصل، متجاهلاً بعض الإيجابيات المهمة. فقد لعبت هذه المنصات دوراً بارزاً في رفع الوعي بقضايا اجتماعية، ومنح صوت للفئات المهمشة، وتعزيز الشفافية في بعض الأنظمة السياسية. كما ساهمت في بناء شبكات تضامن عابرة للحدود، وهو ما لا يمكن إنكاره.

 

غير أن هذه الإيجابيات، رغم أهميتها، لا تنفي وجود مشكلات بنيوية عميقة في تصميم هذه المنصات.

 

وهنا تكمن قوة طرح كولدري، إذ يحاول نقل النقاش من مستوى “إدارة المحتوى” إلى مستوى “تصميم النظام”. فبدلاً من التركيز على مكافحة الأخبار الكاذبة أو خطاب الكراهية فقط، يدعو إلى إعادة التفكير في الأسس التي تقوم عليها هذه المنصات.

 

نقاش أوسع

 

ويُعد هذا التحول في زاوية النظر من أبرز إسهامات الكتاب، حيث يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول مستقبل الفضاء الرقمي. فهل يمكن بناء منصات تعزز التعاون بدلاً من الصراع؟ وهل يمكن تصميم خوارزميات تخدم الصالح العام بدلاً من تعظيم الأرباح؟ هذه الأسئلة، وإن بدت طموحة، أصبحت ضرورية في ظل التأثير المتزايد للتكنولوجيا على مختلف جوانب الحياة.

 

كما يربط الكتاب بين تطور وسائل التواصل وأحداث سياسية واجتماعية معاصرة، موضحاً كيف يمكن لهذه المنصات أن تكون أداة للتغيير أو وسيلة للتأجيج، بحسب طريقة استخدامها وتصميمها. فبينما ساهمت في حشد الشباب في بعض الحركات الاحتجاجية، كانت أيضاً منصة لنشر خطاب متطرف في سياقات أخرى.

 

في النهاية، يقدم  كتاب “فضاء العالم” قراءة نقدية عميقة لعصر تُدار فيه العلاقات الإنسانية عبر خوارزميات. ورغم نبرته المتشائمة أحياناً، فإنه يفتح الباب أمام التفكير في بدائل ممكنة، ويذكّرنا بأن الفضاء الرقمي ليس قدراً محتوماً، بل نتاج قرارات بشرية يمكن إعادة النظر فيها.

 

يبقى السؤال الأهم: هل نملك الإرادة لتغيير هذا الواقع؟ الإجابة، كما يوحي الكتاب، لا تعتمد فقط على الشركات أو الحكومات، بل على المجتمعات بأكملها، وعلى قدرتها على تخيل مستقبل مختلف، والعمل على تحقيقه.

 

المصدر: منصة “إل إس إي”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً