التخطي إلى المحتوى

واشنطن – أعادت الولايات المتحدة قاذفاتها الاستراتيجية من طراز ‘بي-1’ المتمركزة في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد إلى قواعدها الأصلية داخل الأراضي الأميركية، في خطوة جاءت بعد اعتقال أشخاص للاشتباه في التخطيط لهجوم يستهدف القاعدة التي استخدمتها واشنطن في عمليات عسكرية ضد إيران.

وأكد مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية أن جميع القاذفات التي كانت منتشرة في فيرفورد أعيد نشرها في الولايات المتحدة، بعدما كانت نحو 12 قاذفة من طراز ‘بي-1’ تتمركز في القاعدة الواقعة شمال غربي لندن. وكانت هذه الطائرات قد استخدمت في ضربات أميركية استهدفت مواقع إيرانية، بينها مواقع مرتبطة بقدرات الصواريخ التي هددت حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وجاء سحب القاذفات بعد أيام من عملية أمنية قرب القاعدة، اعتقلت خلالها السلطات البريطانية عدداً من الأشخاص للاشتباه في ارتكاب جرائم مرتبطة بالإرهاب والمتفجرات. وبدأت التحقيقات عقب الإبلاغ عن مركبات مشبوهة قرب المنشأة، قبل أن تتسع دائرة التحقيق لتشمل احتمال وجود جهة أجنبية وراء المخطط. ولم تعلن الشرطة البريطانية حتى الآن حسم الجهة التي تقف خلفه، كما لم تعثر على متفجرات صالحة للاستخدام، في حين عثرت على كمية من الوقود في المركبات محل التحقيق.

وأثارت القضية حساسية إضافية بسبب موقع فيرفورد ودورها في العمليات الأميركية، فالقاعدة تعد من أبرز المنشآت التي تستخدمها القوات الجوية الأميركية في أوروبا لاستقبال القاذفات بعيدة المدى، كما تحولت خلال الحرب مع إيران إلى نقطة مهمة في تشغيل الطائرات المشاركة في الضربات.

وقال رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام إن هناك “مؤشرات قوية” على تورط إيران في المخطط المشتبه به، فيما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن المتورطين كانوا يعتزمون إحداث أضرار كبيرة، بينما تحدث وزير الخارجية ماركو روبيو عن احتمال وجود “جهة أجنبية”، فيما رفضت طهران الاتهامات ونفت أي صلة لها بالمخطط، واعتبرت ما نسب إليها بلا أساس.

ويعكس سحب القاذفات، في قراءة أولية، ارتفاع مستوى الحساسية الأميركية تجاه حماية المنشآت التي تشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في العمليات ضد إيران، فوجود الطائرات في قاعدة معروفة ومستخدمة في تنفيذ الضربات يجعلها هدفاً محتملاً في حسابات الخصوم، الأمر الذي قد يدفع واشنطن إلى إعادة توزيع أصولها العسكرية بدلاً من إبقائها في موقع باتت المخاطر الأمنية المحيطة به أعلى.

لكن إعادة القاذفات إلى الولايات المتحدة لا تعني بالضرورة تقليص القدرة الأميركية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، فقاذفات ‘بي-1’ مصممة لتنفيذ عمليات بعيدة المدى، ويمكن تشغيلها من الأراضي الأميركية ضمن ترتيبات عسكرية مختلفة، كما أن واشنطن تحتفظ بوجود عسكري واسع في الشرق الأوسط. وتأتي هذه الخطوة بينما يدرس ترامب خيارات إضافية في التعامل مع إيران، بما في ذلك إمكانية تنفيذ ضربات جديدة.

وفي الوقت نفسه، تشير التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة إلى أن إعادة التموضع لا تسير في اتجاه واحد، فقد بدأت قوات أميركية إضافية بالتحرك نحو المنطقة، بينها مجموعة حاملة الطائرات ‘يو إس إس ثيودور روزفلت’ والمجموعة البرمائية ‘يو إس إس مالكين آيلاند’، في تحرك قد يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية الموجودة في المنطقة إلى ثلاث بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وفق ما ذكر مسؤول أميركي.

ومن هذه الزاوية، تبدو مغادرة قاذفات ‘بي-1’ لفيرفورد أقرب إلى إعادة توزيع للمخاطر والمنصات منها إلى انسحاب من مسرح العمليات، فالولايات المتحدة تفصل بين حماية أصولها في قاعدة أوروبية تعرضت لمخاوف أمنية وبين الحفاظ على خياراتها العسكرية في مواجهة إيران.

ويضيف التطور بعداً جديداً إلى الصراع، إذ لم تعد المخاطر مقتصرة على ساحات المواجهة المباشرة في الشرق الأوسط، بل امتدت إلى المنشآت والقواعد التي تستخدمها القوات الأميركية خارج المنطقة. وإذا أثبت التحقيق البريطاني وجود صلة خارجية بالمخطط، فإن ذلك قد يدفع واشنطن ولندن إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول القواعد المستخدمة في العمليات ضد إيران، مع إبقاء خيارات التصعيد العسكري مفتوحة. أما في الوقت الراهن، فإن ملابسات المخطط لا تزال قيد التحقيق، فيما تؤكد طهران رفضها للاتهامات الموجهة إليها.

التعليقات

اترك تعليقاً