التخطي إلى المحتوى

في مشهد سينمائيّ عربيٍّ أثقلته البلاغة اللفظية وأسَرته حمولة الواقعية الاجتماعية المباشرة بعد تحوّلات العقد الماضي المُكثّفة والمتسارعة والمُحبِطة، يقف فيلم ”طلامس” للمخرج التونسي علاءالدين سليم كتعويذة بصرية عصيّة على التدجين والتقليد.

فيلم “طلامس” (المعروف دولياً باسم Sortilège)، هو عمل روائي طويل يمتد على مدار 120 دقيقة، وهو إنتاج مشترك بين تونس وفرنسا، ينتمي إلى سينما المؤلف التجريبية والفانتازيا التأملية، تُوّج هذا المسار الفني الجريء باحتفاء نقدي واسع وحصاد لافت في المهرجانات الدولية، من بينها فوز علاءالدين سليم بـ جائزة أفضل مخرج في مهرجان “سالونيك” السينمائي الدولي باليونان، ونيل الفيلم الجائزة الكبرى (ألكسندر بتروفيتش) في مهرجان بلغراد لسينما المؤلف، وترشيحه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان مراكش الدولي للفيلم وعرضه الاستثنائي في أيام قرطاج السينمائية.

العمل ليس مجرد حكاية تمرّد عسكري أو فرار نحو البراري، بل هو محاولة راديكالية لإعادة ابتكار العالم من نقطة الصفر، متخففا من سطوة اللغة، ومن منطق المؤسسة، ومن ثقل التاريخ. انخلاعٌ كامل عن المدنية نحو الطبيعة الأولى، وتأمّلٌ بصريّ عميق في هشاشة الكائن العربي حين تُنزع عنه أردية السلطة والانضباط المزيّف. لكن، لماذا يختار المخرج هذا الانسلاخ العنيف عن التوثيق السياسي المباشر؟ وهل باتت الاستعارة والغرائبية الملاذ الأخير للسينما المستقلة لقول ما عجزت عنه السينما الواقعية في زمن ما بعد الانكسارات الكبرى؟

عن هشاشة أوهى من ورقة شجر

ينطلق المسار في هذا العمل الذي رأى النور لأول مرة عالمياً في مايو/آذار 2019 ضمن قسم “نصف شهر المخرجين” في مهرجان كان السينمائي، من التصدّع. إذ لا يبدأ السيناريو بخطاب سياسي أو بيان أيديولوجي، بل برصد صامت لانسحاب فردي أبكم. ينسلخ الجندي الشاب “س” (الذي جسده بأداء جسدي لافت الفنان المصري عبد الله المنياوي) من ثكنته وواجبه إثر وفاة والدته وانتحار زميله؛ يخلع زيّه العسكري، ومعه ينفض عنه كل التزامات العقد الاجتماعي المفروض. هنا تتكشف رؤية سليم الفكرية: فحامل السلاح وحارس النظام ليس في جوهره سوى رجلٍ عربيٍّ مأزوم وشديد الوهن، كائن يصفه المخرج في أحد حواراته بأنه ”أخفّ من ورقة شجر”.

غير أن اختيار السيناريو تجريد البطل من كل ثيابه ليركض عاريا في الأحراش يطرح استفهاماً جوهريا: هل العُرْي هنا سقوطٌ أم انبعاث؟ وما الغاية الدرامية من تحويل الجسد إلى وثيقة الاحتجاج الوحيدة بعد تجريده من رتبته العسكرية؟ يبدو أن المخرج أراد إسقاط أسطورة “الفحولة المحاربة” التي شيدتها الدولة الحديثة؛ فالجسد حين يتعرى ويلهث مُصابا وحيدا تائها، يتحرر من رمزية القمع ليغدو كائنا هشّا وبدائيا، يختبر الألم والحرية بعيدا عن أوهام البطولة الثقيلة والزائفة.

التعليقات

اترك تعليقاً